العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هل ستضرب موجة ذعر أخرى الأسواق الناشئة؟

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    في أوائل يوليو، انخفض العائد على سندات الخزينة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى أقل مستوى له خلال أربعة أشهر، كما هبطت أسواق الأسهم بسبب مخاوف من أنَّ التوقُّعات الوردية لهذا العام بالنسبة للنمو الاقتصادي لن تتحقَّق، ولكن لا تزال وجهة النظر السائدة أنَّ الارتفاع الأخير في التضخُّم سوف يكون مؤقتًا مما يسمح للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالتخفيض السلس لميزانيته العمومية في وقت ما في المستقبل.

    إنَّ هذه الحلقة من حلقات السوق لهذا الشهر يمكن إرجاعها جزئيّاً إلى فبراير ومارس من هذا العام عندما ارتفعت أسعار السندات طويلة الأجل الأمريكية، بسبب توقعات بأنَّ الاحتياطي الفيدرالي قد يبدأ قريباً بتشديد سياسته النقدية ومع الحزم المالية الضخمة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جو بايدن، جاءت مخاوف جديدة تتعلَّق بالتضخُّم والتوسُّع الاقتصادي غير المنضبط. لقد ارتفعت عوائد سندات الخزينة لأجل عشر سنوات حسب الأصول من نسبة أقل من 1.2 % إلى ما يقارب من 1.8 % قبل أن تستقرَّ وتتراجع إلى مستويات سابقة هذا الشهر.

    وعلى الرغم من وجود بعض التوتُّر بعد اجتماع يونيو للجنة الفيدرالية للأسواق المفتوحة المسؤولة عن وضع السياسات، وذلك عندما اتخذ بعض أعضاء اللجنة موقفاً أكثر تشدداً، تمكَّن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من الحفاظ على الهدوء في الأسواق وذلك من خلال الوعد بإعطاء إخطار مسبق بفترة كافية قبل البدء بتقليص مشترياته الشهرية من السندات ومنذ ذلك الحين انخفضت أسعار الفائدة بوتيرة ملحوظة.

    لكن لا يزال الوضع يكتنفه الغموض بالنسبة للأسواق الناشئة، والتي عانى معظمها من هروب رؤوس الأموال كنتيجة لحالة الذعر في فبراير-مارس وما رافقها من ارتفاع في أسعار الفائدة في السوق الأمريكي. وعلى الرغم من أنَّ تلك التدفقات الخارجة من تلك الأسواق قد رجعت إليها منذ ذلك الحين، فإنَّ هناك دائمًا احتمالية بأنَّ الاحتياطي الفيدرالي سوف يشعر بأنه ملزم بالتراجع مجددًا مما يثير تساؤلات عن ما إذا كنّا نتجه إلى أزمة تشبه الأزمة التي هزَّت الأسواق العالمية سنة 2013 عندما ارتفعت عوائد السندات الأمريكية بعد قيام الاحتياطي الفيدرالي بإبطاء برنامج التخفيف الكمي الخاص به.

    أتذكر أنه في يونيو من ذلك العام، اقترح رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بين بيرنانكي، أنَّ اللجنة الفيدرالية للأسواق المفتوحة قد تبدأ قريبًا في إبطاء مشترياتها من السندات وبهذا البيان العابر الوحيد، أشعل بيرنانكي بدون قصد موجة من الارتفاعات في أسعار الفائدة وهروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.

    لقد كانت لدى الدول الهشة الخمس، جنوب إفريقيا والبرازيل والهند وإندونيسيا وتركيا، في ذلك الوقت عجز في الحساب الجاري، إضافة إلى الاعتماد القوي على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ولسنوات عديدة شهدت تلك الدول الآثار غير المباشرة للسياسات النقدية الأمريكية شديدة التساهل، والتي دفعت المستثمرين للبحث عن عوائد أعلى في الأسواق الناشئة. وعندما أشار بيرنانكي إلى إمكانية التشديد التدريجي للسياسة النقدية، أصيب المستثمرون بالذعر لفترة قصيرة.

    لقد وقعت موجة أخرى من تدفقات رؤوس الأموال لخارج الأسواق الناشئة في مايو 2018، وذلك عندما بدأ الاحتياطي الفيدرالي بالفعل بتخفيض حيازاته من الأصول، ولكن هذا التخفيض التدريجي- الذي تبعه بيع في أسواق السندات الأمريكية وارتفاع سعر الدولار- تمَّ إيقافه سنة 2019. وفي هذه المرة انخفضت الدول الهشة الخمس إلى اثنتين فقط (تركيا والأرجنتين) وكلتاهما كانت تعاني من عجز مرتفع في الحساب الجاري، وتعرُّض حاد لتقلبات سعر الصرف وذلك بسبب الأحجام الكبيرة من الدين بالعملات الأجنبية في البلدين.

    إنَّ هذا يرجعنا مرة أخرى لهذا العام، فطبقاً لمعهد التمويل الدولي فإنَّ الذعر الحاصل في الأسواق في فبراير-مارس كان كافياً للتسبُّب في انخفاض كبير في تدفقات المحافظ غير المقيمة إلى الأسواق الناشئة، وعلى الرغم من أنه قد تمَّ استعادة تلك الخسائر جزئيّاً خلال الأشهر الثلاثة اللاحقة فإنَّ المخاوف من ارتفاع عوائد السندات الأمريكية بعد إبطاء التخفيف الكمّي مجدداً أي تكرار ما حصل سنة 2013 سوف يبقى بارزًا خلال السنتين القادمتين، وخاصة إذا بدا أنَّ الاحتياطي الفيدرالي سوف يبدأ بالتشدُّد بشكل أسرع مما هو متوقَّع حاليّاً.

    لكن من الأهمية بمكان تذكر أننا لم نعد في سنة 2013، ففي تلك الفترة كان معدل العجز في الحسابات الجارية للدول الخمس الهشّة نحو 4،4 % من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بما نسبته 0.4 % اليوم، وإضافة إلى ذلك فإنَّ تدفُّق الموارد الخارجية للأسواق الناشئة في السنوات الأخيرة لم يكن قريباً من الحجم الذي كان عليه في السنوات التي سبقت الذعر الحاصل في 2013، كما لا توجد مبالغة في تقييم أسعار الصرف الحقيقية كما كانت عليها الحال في تلك الفترة وباستثناء تركيا فلقد انخفض إجمالي الاحتياجات التمويلية الخارجية للدول الخمس الهشة كنسبة من الاحتياطات الأجنبية بشكل كبير.

    إنَّ هناك عاملين إضافيين من العوامل المخفّفة التي يجب النظر إليها. أولاً، لو أنَّ النمو الاقتصادي الأقوى هو الذي يدفع أسعار الفائدة للارتفاع في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنَّ الروابط التجارية الإيجابية لبعض الأسواق الناشئة قد تساعد على التعويض عن أيِّ تأثيرات مالية سلبية. ثانيًا، إنَّ من المنطقي الافتراض بأنَّ الاحتياطي الفيدرالي سوف يرسل الإشارات المسبقة هذه المرة بشكل ملائم أكثر مما يخفّف من خطر حلقة أخرى من حلقات الذعر.

    لكن ماذا عن مشكلة «العجز المزدوج» في العديد من الاقتصادات الناشئة؟ لا يستطيع المرء أن يستبعد حقيقة أنَّ الأسواق الناشئة عانت من تدفُّق كبير لرؤوس الأموال خارجها في العام الماضي بشكل تزامن مع تصاعد العجز المالي في تلك الأسواق استجابة للجائحة، ولكن على الرغم من أزمة كوفيد 19 فإنَّ الأسواق الناشئة بشكل عام كانت قادرة على تمويل العجز المالي الأكبر لديها وذلك من خلال الاعتماد على المستثمرين المحليين، وفي بعض الحالات بنوكها المركزية ومنذ النصف الثاني من سنة 2020، فإنَّ مشتريات الأوراق المالية الحكومية من قِبَل غير المقيمين في بعض الأسواق الناشئة قد بدأت بالتحسُّن مجدداً.

    صحيح أنه نظراً لأنَّ بعض إصدارات الأوراق المالية المقومة بعملات أجنبية قد تبقى ضرورية، فإنَّ المخاطر المرتبطة بتدفقات العملات الأجنبية المتغيرة لم يتم التخلص منها بالكامل. لا تزال بلدان مثل كولومبيا وتشيلي لديها مستويات عالية نسبيّاً، من الديون المقومة بالدولار وفي بعض الأسواق الناشئة ستظلُّ تدفُّقات المحافظ الوافدة حيوية من أجل تمويل العجز المالي.

    لكن في نهاية المطاف فإنَّ المخاطر الأكبر التي تواجه الأسواق الناشئة تكمن في جوانب أخرى؛ فبدلاً من القلق من حصول حالة ذعر تشبه ما حصل سنة 2013 عندما ارتفعت عوائد السندات الأمريكية بعد قيام الاحتياطي الفيدرالي بإبطاء برنامج التخفيف الكمي الخاص به. يجب علينا أن نشعر بقلق أكبر من الرتم البطيء للتطعيم مما يؤثر سلباً في التعافي لمرحلة ما بعد كوفيد والارتفاع في أسعار السلع، مما يؤدي للتضخم والاستراتيجيات الاقتصادية التي تعمل على مجرد استعادة معدلات النمو المنخفضة لمرحلة ما قبل الجائحة.

    * زميل أول في مركز السياسات للجنوب الجديد، شغل سابقاً منصب نائب رئيس ومدير تنفيذي في البنك الدولي، ومدير تنفيذي في صندوق النقد الدولي، ونائب رئيس في بنك التنمية للبلدان الأمريكية

    طباعة Email