العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    لـمـاذا فشل بناء الدولة في أفغانستان

    قبل عشرين عاماً، غَـزَت الولايات المتحدة أفغانستان، على أمل إعادة بناء دولة، تحولت إلى بلوى ألَـمَّـت بالعالم أجمع، وبشعبها ذاته. كما أوضح الجنرال ستانلي ماكريستال، في الفترة التي سبقت زيادة القوات الأمريكية هناك في عام 2009، كان الهدف يتلخص في «تمكين حكومة أفغانستان من فرض سيطرتها بالقدر الكافي على أراضيها، لدعم الاستقرار الإقليمي، ومنع استخدامها لنشر الإرهاب الدولي».

    الآن، بعد مقتل أكثر من 100 ألف إنسان، وإنفاق نحو تريليوني دولار، لم تقدم لنا أمريكا أي نتيجة لجهودها، غير المشاهد التي رأيناها هذا الشهر، من التدافع اليائس للخروج من أفغانستان ــ وهو انهيار مُـذِل، يذكرنا بسقوط سايغون في عام 1975. تُـرى، ما الذي أدى إلى هذه النتيجة المشينة؟.

    كل شيء تقريباً، ولكن ليس بالطريقة التي يتصورها أغلب الناس. ففي حين ساهم التخطيط الرديء والافتقار إلى المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، في هذه الكارثة، بكل تأكيد، فإن المشكلة كانت في حقيقة الأمر، في طور التكوين طوال عشرين عاماً.

    أدركت الولايات المتحدة في وقت مبكر، أن الطريقة الوحيدة لإنشاء دولة مستقرة، تتسم ببعض مظاهر القانون والنظام، تتلخص في إنشاء مؤسسات دولة قوية. وبتشجيع من العديد من الخبراء، ونظريات صارت بائدة الآن، تعاملت المؤسسة العسكرية الأمريكية مع هذا التحدي، على أنه مشكلة هندسية: إذ كانت أفغانستان تفتقر إلى مؤسسات الدولة، وقوة أمنية عاملة، ومحاكم، وجهاز بيروقراطي حسن الاطلاع، وعلى هذا، فإن الحل يتمثل في ضخ الموارد ونقل الخبرات من الأجانب. وكانت المنظمات غير الحكومية ــ ومجمع المساعدات الخارجية الغربي في عموم الأمر ــ حاضرة للمساعدة بطريقتها الخاصة (سواء كان السكان المحليون راغبين في تلقي هذه المساعدة أو غير راغبين). ولأن عمل هذه المنظمات، كان يتطلب درجة من الاستقرار، فكان من الضروري نشر جنود أجانب ــ قوات حلف شمال الأطلسي بشكل أساسي، ولكن أيضاً قوات تتألف من متعاقدين من القطاع الخاص ــ للحفاظ على الأمن.

    الواقع أن الوضع الذي واجهته الولايات المتحدة في أفغانستان، كان أسوأ حتى من الوضع المعتاد الذي يواجه بناء الأمم. فمنذ البداية، كان الشعب الأفغاني ينظر إلى الوجود الأمريكي، على أنه عملية أجنبية، تسعى إلى إضعاف مجتمعهم. لم تكن تلك صفقة يريدون إبرامها بطبيعة الحال.

    ربما كانت الأمور ستتخذ منحى مختلفاً، لو لم تتسبب هجمات الناتو بطائرات بدون طيار، في إبعاد وتنفير السكان، ولو لم تكن النخب الأفغانية التي دعمتها الولايات المتحدة فاسدة إلى حد الإسراف. لكن أوراق اللعب كانت دوماً ضد استراتيجية «الدولة أولاً»، التي انتهجتها أمريكا. كانت تجربة المؤسسة العسكرية الأمريكية الحديثة في العراق، أكثر دلالة. فكما يوضح بحث من تأليف إيلي بيرمان، وجاكوب شابيرو، وجوزيف فيلتر، عملت «زيادة القوات» هناك بشكل أفضل كثيراً، عندما حاول الأمريكيون الفوز بالقلوب والعقول، من خلال حشد الدعم من جانب الجماعات المحلية. على نحو مماثل، كما أشرت في بحثي مع علي شيما، وعاصم خوجة، وجيمس روبنسون، يلجأ الناس في المناطق الريفية في باكستان، إلى القوى الفاعلة غير التابعة للدولة على وجه التحديد، عندما يعتقدون أن مؤسسات الدولة غير فعالة، وغريبة عنهم. كانت النتيجة مأساة إنسانية هائلة.

    لا يعني أي من هذا أن الانسحاب لم يكن من الممكن إدارته على نحو أفضل. ولكن بعد عشرين عاما من الجهود المضللة، كان من المحتم أن تفشل الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المزدوج المتمثل في الانسحاب من أفغانستان وترك مجتمع مستقر قائم على القانون هناك.

    * أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك (مع جيمس روبنسون) لكتاب «لماذا تفشل الأمم: أصل القوة والرخاء والفقر»، وكتاب «الممر الضيق: الدول والمجتمعات ومصير الحرية».

    طباعة Email