العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    استيعاب الصين أمر لا مفر منه

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    أعلن قادة الناتو في بيانهم الأخير، أن الصين تمثل «تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد». وكان الرد من بعثة الصين في الاتحاد الأوروبي واضحاً: لن نمثل تحدياً منهجياً لأي شخص، ولكن إذا أراد شخص ما أن يشكل تحدياً منهجياً لنا، فلن نقف مكتوفي الأيدي.

    إن هذه اللغة الخطابية المتبادلة لا لزوم لها، وربما لا يريد معظم سكان العالم أن تتصاعد. ومع ذلك، أصبحت احتمالية التصعيد تزداد كل يوم.

    ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى كون الصين من بين المجالات السياسية القليلة التي تَمَسك فيها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بنهج سلفه، دونالد ترامب، وشِعارُه: نافس بشراسة، وتعاون عند الحاجة، وواجه عند الضرورة. لذلك، يوحي ما قالته الصين بشأن بيان الناتو، أنها تعتمد رداً ثلاثي الأبعاد: لا تبحث عن القتال، ولا تخف من القتال، وستقاتل عند الضرورة.

    وليس حلف الناتو المنتدى الوحيد الذي يعزز فيه بايدن نهج الولايات المتحدة. إذ في قمة مجموعة السبع الأخيرة، وأثناء اجتماعه مع قادة الاتحاد الأوروبي، سعى بايدن أيضاً إلى إقناع حلفاء أمريكا بتشكيل جبهة موحدة ضد الصين (وروسيا).

    ويرى السناتور الأمريكي، بيرني ساندرز، المشكلة. فقد حذر أخيراً من أنه من خلال تصوير الصين على أنها تهديد وجودي، فإن المؤسسة السياسية الأمريكية «تدق طبول» حرب باردة جديدة، والتي لن يكون فيها منتصر. وعلى حد تعبيره، سيكون تنظيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة حول «مواجهة عالمية مع الصين محصلتها صفر خطيراً على المستوى السياسي، وسيؤدي إلى نتائج عكسية من الناحية الاستراتيجية».

    إن نهج أمريكا المعيب تجاه الصين متجذر في إيمان دائم بمفهوم الأمن القومي المطلق. ولكن، رغم أن هذا ربما كان هدفاً منطقياً للولايات المتحدة في العقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وقفت الدولة على رأس نظام عالمي أحادي القطب، إلا أنه ليس واقعياً اليوم في نظام متعدد الأقطاب.

    وفي عالم اليوم، تعد محاولة «احتواء ومواجهة» الجهات التي لها قيم أو أنظمة مختلفة، بدل التفاوض معها بشأن ميثاق عالمي جديد يستوعبها، وصفة لتأجيج الصراع. إذ من المؤكد أنها تعيق القدرة على متابعة المشاركة الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة، والتعاون بشأن التحديات المشتركة مثل تغير المناخ. وأشار متحدث باسم السفارة الصينية في لندن، بعد قمة مجموعة السبع، «لقد ولت الأيام التي كانت تُملي فيها مجموعة صغيرة من الدول القرارات العالمية».

    ولكن المشكلة أعمق؛ حيث إنه حتى داخل هذه «المجموعة الصغيرة من البلدان»، لا تعكس القرارات، مثل التودد للصراع مع الصين، بالضرورة إرادة الأغلبية. إذ قال جوزيف إي. ستيغليتز، إن الولايات المتحدة اليوم تبدو أشبه بحكومة بلوتوقراطية (حكم الأثرياء) من ديمقراطية تمثيلية. إذ تتمتع شريحة الـ1 % الأعلى دخلاً بالقدرة على توجيه معظم السياسات العامة لصالحها.

    وإذا دفعت الشريحة الـ1 % الأعلى دخلاً في البلد، التي تمثل 5 % من سكان العالم أكبر خبراء الاقتصاد إلى الصراع، فإن العالم بأسره سيعاني كثيراً، حيث لن يكون للغالبية العظمى من الناس رأي في الأمر. وإذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون يؤمنون حقاً بالديمقراطية، فينبغي عليهم أن لا يقبلوا هذا الأمر.

    إن النهج الأفضل - والذي يعكس القيم التي تدعي الديمقراطيات الليبرالية الغربية أنها تتمسك بها - من شأنه أن يراعي مصالح «أرض واحدة»، التي تشمل البشرية جمعاء والكوكب الذي نعتمد عليه. وهذا يعني توسيع منظورنا إلى ما هو أبعد من الأمن القومي للسعي لتحقيق الأمن العالمي، وهي أعظم فائدة لأكبر عدد من الناس - وضمان أن يكون لكل إنسان رأي في تحديد مستقبلنا الجماعي.

    إننا لا ندافع عن حكومة عالمية. فقد أظهرت العلوم الطبيعية والاجتماعية هشاشة زراعة المحصول الواحد. وفي الحضارة الإنسانية، كما في الطبيعة، يجلب التنوع الاستقرار والتقدم. وحتى المنافسة يمكن أن تكون شيئاً جيداً، ولكن فقط إذا تمت موازنتها من خلال التعاون الفعّال، وتم تجنب العنف الممارس ضد البشر أو البيئة.

    إذاً، كيف يمكن تحقيق نظام الأرض الواحدة؟ ستكون آليات الرد والتجاوب المتجهة من القاعدة إلى القمة، التي تمكّنها التكنولوجيا، أمراً بالغ الأهمية. ويجب أن يكون الهدف هو كسر حالة الانغلاق التي عادة ما تخلقها النخب العالمية، بمساعدة اللغة الغامضة. وهذا من شأنه أن يمكّن المزيد من الأشخاص - من ذوي الخبرة في المزيد من المجالات - من المساهمة في المناقشات.

    وتبدو فوائد مثل هذا النهج واضحة من خلال التوتر بين التفكير الاقتصادي التقليدي - الذي يركز على زيادة الاستهلاك، والاستثمار، والنمو - وبين الضرورات البيئية، مثل الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وحماية التنوع البيولوجي. وفي نظام الأرض الواحدة، في كثير من الأحيان، يمكن أن تكون الزيادة في «الأشياء الجيدة» أمراً سيئاً للغاية.

    وينعكس النهج الذي عفا عليه الزمن والمنعزل في السرد البسيط الذي يقول إن الولايات المتحدة والصين عالقتان في «صراع الحضارات». أي، تصادم الإمبراطوريات. يجب أن تكون الحضارات «حضارية» مع بعضها البعض، خصوصاً وأننا جميعاً نتشارك الأرض نفسها.

    ولتحقيق هذه الغاية، يجب على القادة تجاوز التركيز الضيق على الأمن القومي إلى مناقشات واسعة وشاملة بشأن كيفية توفير الأمن العالمي في شكل سلام، واستقرار، وتغذية كافية، واستدامة بيئية. ولكن، يجب على الولايات المتحدة، أولاً، التخلي عن احتواء الصين، والبدء في استيعابها.

    * زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ، وعضو في المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام

    ** رئيس مجلس إدارة مؤسسة هونغ كونغ للتمويل الدولي، وهو أستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية HSBC للأعمال بجامعة بكين

    طباعة Email