لا تزال معظم أمريكا اللاتينية بعيدة عن الظروف المروعة السائدة في فنزويلا، حيث انخفض الناتج الاقتصادي بنسبة مذهلة بلغت 75 % منذ عام 2013. ولكن، نظراً للكارثة الإنسانية المستمرة هناك، إلى جانب شبح الاضطراب السياسي في أماكن أخرى، لا ينبغي للمستثمرين أن ينظروا إلى الانتعاش الاقتصادي المستدام باعتباره من المسلمات.

ربما لا يتجلى الانفصال الحالي بين هدوء السوق والتوترات الاجتماعية الأساسية في أي مكان بهذا القدر من الحدة الذي تتفرد به أمريكا اللاتينية. والسؤال هنا هو، إلى أي مدى يمكن لهذا التنافر الصارخ أن يستمر؟.

في الوقت الحالي، تستمر البيانات الاقتصادية للمنطقة في التحسن، ولا تزال أسواق الديون غير مضطربة على نحو مخيف. لكن غضباً شديداً يتسلل إلى الشوارع، خاصة (وليس على سبيل الحصر) في كولومبيا. ومع ارتفاع معدل حالات الإصابة الجديدة اليومية بمرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) في أمريكا اللاتينية بالفعل ليزيد على متوسط الأسواق الناشئة بأربعة أضعاف، حتى مع ظهور الموجة الثالثة من الجائحة، يواجه سكان المنطقة البالغ عددهم 650 مليون نسمة كارثة إنسانية تتوالى فصولها.

مع تصاعد حالة عدم اليقين السياسي، توقف استثمار رأس المال في منطقة تعاني بالفعل من انخفاض نمو الإنتاجية. والأسوأ من ذلك أن جيلاً من الأطفال في أمريكا اللاتينية تخلَّف عن التعليم المدرسي بما يقرب من عام ونصف العام، مما يقوض الآمال في اللحاق بالركب التعليمي في آسيا، ناهيك عن الولايات المتحدة.

بالنسبة إلى كوبا، وروسيا، والصين، وهي دول لديها بالفعل موطئ قدم استراتيجي في فنزويلا، تمثل الجائحة فرصة لتحقيق مزيد من التغلغل. ويبدو أن الأسواق تشعر بالارتياح لأن الفائز الواضح في الانتخابات الرئاسية في بيرو، وهو الماركسي بيدرو كاستيلو، يستعين على الأقل باثنين من المستشارين المتخصصين في الاقتصاد السائد، لكن لم يتضح بعد كيف سيكون تأثيرهما الحقيقي.

علاوة على ذلك، تُعد البيانات الاقتصادية الخاصة بأمريكا اللاتينية جيدة حتى الآن في عامنا هذا، لكن فقط بمعنى أنها ليست مروعة كما كانت في عام 2020 عندما انخفض الناتج الاقتصادي بنسبة 7 %. في أبريل، توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بنسبة 4.6 % في عام 2021؛ وكانت تقديرات أحدث أقرب إلى 6 %. لكن من منظور نصيب الفرد - الذي يُنظر إليه الآن باعتباره طريقة أفضل لقياس التعافي من الأزمات الاقتصادية العميقة - لن تعود معظم اقتصادات أمريكا اللاتينية إلى مستويات ما قبل الجائحة حتى في عام 2022، أو بعده.

على نحو مثير للقلق، ينبثق جزء كبير من النمو الحقيقي في المنطقة هذا العام من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، الذي يحفزه التعافي في أماكن أخرى، وليس من تحسينات حقيقية في الإنتاجية من شأنها أن تدعم الدخل من خلال دورة السلع الأساسية. وما يزيد الأمور سوءاً على سوء، أن الأسر ذات الدخل المنخفض تضررت بشكل خاص بفعل الجائحة والانكماش الاقتصادي المرتبط بها.

لفهم التحديات التي تواجه سياسة أمريكا اللاتينية، يكفينا أن ننظر إلى أكبر اقتصادين فيها، البرازيل والمكسيك، اللذين يمثلان معاً أكثر من نصف ناتج المنطقة. ظاهرياً، يحكم البلدين نظيران متضادان: الرئيس اليميني جايير بولسونارو في البرازيل، والرئيس اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور (المعروف على نطاق واسع باسمه المختصر «آملو») في المكسيك. لكن الرجلين متشابهان في نواحٍ مهمة.

في حين تستمد غرائز «آملو» السياسية جذورها من النظرة العالمية الراديكالية في السبعينيات، يبدو أن بولسونارو يشعر بالحنين إلى حقبة الحكم العسكري في البرازيل، إلا أن كليهما مستبدان غريبا الأطوار. علاوة على ذلك، لا يزال كلاهما يتمتعان بشعبية معقولة على الرغم من تعاملهما الكارثي مع الجائحة، واتخاذهما سلسلة من القرارات الاقتصادية الأخرى غير الحكيمة. حيث ألغى آملو مشروع المطار الجديد الذي تشتد الحاجة إليه في مكسيكو سيتي بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في أواخر عام 2018، على الرغم من حقيقة أن المشروع كان يجري على قدم وساق. وعلى الرغم من أنه بنى حملته على وعد بنمو اقتصادي سريع، إلا أن الناتج المحلي الإجمالي في المكسيك كان آخذاً في التقلص حتى قبل الجائحة – بنسبة 0.1 % في عام 2019.

أما بولسونارو، فعندما لا يهدد بتدمير الأمازون، يستمر في إلقاء مشكلات البرازيل على عاتق حزب العمال اليساري المعارض الذي حكم البلاد حتى عام 2016. وقد سُجن العديد من قادة حزب العمال، بما في ذلك الرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بتهمة الفساد.

مع ذلك، من المحتمل تماماً أن يحكم البرازيل رئيس يساري مرة أخرى في غضون بضع سنوات - ربما لولا دا سيلفا، الذي أُسقطت إداناته في مارس - بينما تعود المكسيك تحت حكم رئيس من تيار الوسط. وبالتالي، يصعب التنبؤ بمسار السياسة المستقبلي للبلدين.

لماذا لا ترتعب أسواق الديون من كل هذه الغموض؟ يرجع ذلك جزئياً إلى أن كلا البلدين ظل محافظاً إلى حد ما في إدارة ديونهما. صحيح أنه من المتوقع أن يصل الدين الحكومي البرازيلي إلى ما يقرب من 100 % من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام. لكنه مقوم في الغالب بالعملة المحلية، ويملك السكان المحليون ما يصل إلى 90 % من الإجمالي، ارتفاعاً من 80 % قبل خمس سنوات. كما جرى احتواء الاقتراض الأجنبي للشركات، حيث لا يزال دين البلاد الخارجي يُقدر بنحو 40 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

يقل الدين العام في المكسيك عنه في البرازيل، حيث يبلغ 60 % من الناتج المحلي الإجمالي. فعلى الرغم من راديكاليته، يظل آملو حتى الآن محافظاً في سياسته المالية، تماماً كما كان لولا في البرازيل. لا شك أنه تعلم جيداً الدرس القائل إن أزمات الديون من شأنها أن تخرج أي ثورة شعبوية عن مسارها.

صحيح أن الحكومات في جميع أنحاء المنطقة قدمت استجابة اقتصادية كلية قوية على نحو مدهش لمكافحة الجائحة، لكن فرص هذه الحكومات في مواصلة استخدام التمويل بالعجز تقل كثيراً عن الولايات المتحدة. لذلك، من أجل زيادة الإنفاق ومعالجة أوجه التفاوت على أساس مستدام، ينبغي لدول أمريكا اللاتينية أيضاً أن تعمل على إيجاد طريقة لزيادة إيرادات الميزانية. ومن المفارقات أن الاحتجاجات في كولومبيا لم تبدأ استجابة لتخفيض الفوائد، ولكن لأن الحكومة حاولت رفع الضرائب على الطبقة الوسطى لتقديم قدر أكبر وأفضل من الإغاثة لمكافحة الجائحة إلى أفقر المواطنين في البلاد. في الواقع، تحتاج الحكومات التي تسعى إلى إعادة توزيع الدخل إلى زيادة الضرائب على المواطنين الميسوري الحال، بدلاً من التغاضي عن مشكلات الديون الإضافية بشكل مؤقت.

في العقود الأخيرة، كانت الولايات المتحدة مترددة في الانخراط بعمق في حل مشكلات أمريكا اللاتينية، لكن ربما يتغير هذا. بادئ ذي بدء، تحتاج المنطقة إلى تلقي مساعدة لقاحات ضخمة حتى يتسنى لها الوقوف على قدميها مرة أخرى. ومن الممكن أن تساعد أمريكا أيضاً من خلال تعزيز التجارة - لا سيما من خلال معالجة الاختناقات التي تسببها الجائحة وإزالة تدابير الحماية المتبقية من عهد ترامب.

* كبير خبراء الاقتصاد السابق في صندوق النقد الدولي، وهو أستاذ علوم الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد