لقد مرت الرأسمالية بتحولات شديدة مرتين على الأقل منذ أواخر القرن التاسع عشر. كان أول تحول رئيس لها، من مظهرها التنافسي إلى احتكار الـقِـلة، متزامناً مع الثورة الصناعية الثانية، حينما بَـشَّـرَ توظيف الكهرومغناطيسية بظهور الشركات الضخمة المتصلة بالشبكات والبنوك الضخمة اللازمة لتمويلها. وحَـل فورد، وإديسون، وكروب محل الخباز وصانع الشراب والجزار الذين عدّهم آدم سميث المحركين الرئيسين للتاريخ. وفي نهاية المطاف، أفضت الدورة الصاخبة التي أعقبت ذلك من الديون الضخمة والعائدات الضخمة إلى انهيار عام 1929، والصفقة الجديدة، ثم بعد الحرب العالمية الثانية نظام بريتون وودز ــ الذي نجح، بفضل كل القيود التي فرضها على التمويل، في توفير فترة نادرة من الاستقرار.

عموماً، يخبرنا التاريخ بأنه تزول النظم الاقتصادية الحياتية، بالتدريج وبفعل محطات وضربات قاسية متتالية، وهكذا فعلياً ستنتهي الرأسمالية على الدوام، بشكل تدريجي: ليس بانفجار ثوري، بل في تشنجات المخاض التطوري. فكما أزاحت الرأسمالية الإقطاع تدريجياً، خِـلسة، إلى أن أصبح القسم الأعظم من العلاقات الإنسانية ذات يوم قائماً على السوق وانجرف الإقطاع وانحسر، يُـطـاح بالرأسمالية اليوم بِـفِعـل صيغة اقتصادية جديدة: الإقطاع التكنولوجي.

الواقع أن هذا ادعاء جسيم يأتي في أعقاب توقعات عديدة سابقة لأوانها بزوال الرأسمالية، وخاصة من اليسار، ولكنه قد يكون صادقاً هذه المرة.

كانت القرائن مرئية فترة من الوقت. فقد رأينا كيف كانت أسعار السندات والأسهم، التي ينبغي لها أن تتحرك في اتجاهين متعاكسين بشكل حاد، ترتفع إلى عنان السماء في انسجام تام، وتهبط من حين إلى آخر ولكنها تظل مرتفعة بشكل ثابت دائماً. على نحو مماثل، يجب أن تكون تكلفة رأس المال (العائد المطلوب لامتلاك ورقة مالية) في هبوط على نحو لا يخلو من تقلبات؛ ولكنها بدلاً من ذلك كانت في ارتفاع إذ أصبحت عائدات المستقبل أقرب إلى عدم اليقين.

لعل العلامة الأكثر وضوحاً على أن شيئاً خطيراً يجري على قدم وساق ظهرت في الثاني عشر من أغسطس من العام المنصرم. في ذلك اليوم، عَـلِـمنا أن الأشهر السبعة الأولى من عام 2020 شهدت انخفاض الدخل الوطني في المملكة المتحدة بما يتجاوز %20، وهذا أعلى كثيراً حتى من أسوأ التوقعات. وبعد بضع دقائق، قفزت بورصة لندن بأكثر من %2. ولم يسبق لنا أن شهدنا حدوث أمر مماثل من قبل قَـط. لقد أصبح التمويل منفصلاً تماماً عن الاقتصاد الحقيقي.

ولكن هل تعني هذه التطورات غير المسبوقة حقاً أننا لم نعد نعيش في ظل الرأسمالية؟ لقد شهدت الرأسمالية تحولات جوهرية من قبل. ألا ينبغي لنا أن نعد أنفسنا ببساطة لأحدث تجسداتها؟ كلا، لا أظن هذا. إن ما نشهده الآن ليس مجرد تحور آخر للرأسمالية. إنه شيء أشد عمقاً وأكثر إثارة للقلق.

أطلقت نهاية حقبة بريتون وودز في عام 1971 العنان لتحول الرأسمالية الثاني. فمع اضطلاع العجز التجاري الأمريكي المتنامي بدور المزود العالمي للطلب الكلي ــ مستوعباً صافي صادرات ألمانيا، واليابان، ثم الصين لاحقاً ــ آزرت الولايات المتحدة طور العولمة الأكثر نشاطاً في الرأسمالية، مع تدفق الأرباح الألمانية واليابانية، ثم الصينية لاحقاً، عائدة على نحو مضطرد إلى مؤسسات وول ستريت لتمولها بالكامل.

ولكن لكي يضطلعوا بدورهم، طالَبَ موظفو وول ستريت بالتحرر من كل القيود التي فرضتها الصفقة الجديدة ومؤسسات بريتون وودز. ومع إزالة القيود، تحورت رأسمالية احتكار الـقِـلة لتصبح رأسمالية ممولة. وتماماً كما حل فورد، وإديسون، وكروب محل الخباز وصانع الشراب والجزار الذين تحدث عنهم آدم سميث، أصبح أبطال الرأسمالية الجدد جولدمان ساكس، وجيه بي مورجان، وليمان براذرز.

في حين خلفت هذه التحولات الجذرية تداعيات هائلة (الكساد العظيم، والحرب العالمية الثانية، والركود العظيم، والركود الممتد بعد عام 2009)، فإنها لم تغير السمة الرئيسة للرأسمالية: نظام مدفوع بالأرباح الخاصة والريع المستخرج عبر سوق أو أخرى.

الواقع، إن ميزانيات البنوك المركزية العمومية، وليس أرباحها، التي تدير النظام الاقتصادي، تفسر لنا ما حدث في الثاني عشر من أغسطس 2020. حينما سمعوا الأخبار الكئيبة، قال الممولون لأنفسهم: «عظيم! سوف يطبع بنك إنجلترا، المذعور، المزيد من الجنيهات ويوجهها إلينا. حان وقت شراء الأسهم!». في مختلف أنحاء الغرب، تطبع البنوك المركزية الأموال التي يقرضها الممولون للشركات، التي تستخدمها لإعادة شراء أسهمها (التي انفصلت أسعارها عن الأرباح). من ناحية أخرى، حلت المنصات الرقمية محل الأسواق باعتبارها موقع استخراج الثروة الخاصة. أول مرة في التاريخ، ينتج الجميع تقريباً مخزون رأس مال الشركات الضخمة مجاناً. هذا هو ما يعنيه تحميل الأشياء على موقع فيسبوك أو التنقل أثناء الارتباط بخرائط جوجل.

ليس الأمر، بالطبع، أن القطاعات الرأسمالية التقليدية اختفت. ففي أوائل القرن التاسع عشر، ظلت العديد من العلاقات الإقطاعية سالمة من دون تغيير، ولكن العلاقات الرأسمالية بدأت تهيمن. واليوم، تظل العلاقات الرأسمالية سالمة، ولكن علاقات الإقطاعية التكنولوجية بدأت تتخطاها وتستبد بها.

إذا كنت مصيباً، فمن المحتم أن يكون كل برنامج تحفيزي أكبر مما ينبغي وأصغر مما ينبغي في الوقت ذاته. ولن يكون أي سعر فائدة متسقاً مع التشغيل الكامل للعمالة من دون التعجيل بإفلاس الشركات على نحو متسلسل. كما انتهت السياسة الطبقية إذ تتنافس الأطراف التي تحابي رأس المال ضد الأطراف الأقرب إلى العمل.

ولكن برغم أن الرأسمالية قد تنتهي في تشنجات وآلام، فإن الانفجار قد يأتي قريباً. وإذا كان لأولئك عند الطرف المتلقي للاستغلال الإقطاعي التكنولوجي والتفاوت المذهل أن يجدوا صوتاً جماعياً، فمن المحتم أن يكون هذا الصوت صاخباً قوياً.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وهو زعيم حزب MeRA25، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا