تبدو مكافحة الاحتكار في عالمنا، قضية ملحة لا مفر من معالجتها في شتى الميادين. ولا شك أن مصدر القلق الرئيس في القرن التاسع عشر بشأن الاحتكارات هو كونها مارست الكثير من السلطة السياسية.

وإذا أعطيتها قيمة على قدر حجمها، فربما لن تفعل ذلك، ما يسمح للديمقراطية بالازدهار. إن قانون مكافحة الاحتكار هو الأداة الوحيدة في قانون الولايات المتحدة لتحويل شركة كبرى لديها الكثير من القوة إلى مجموعة من الشركات الصغرى التي تفتقر إليها.

تعد شركات التكنولوجيا الكبرى مركز الاهتمام في الجدل الجديد حول مكافحة الاحتكار. وحينما ينظر التكنوقراطيون إلى هذا القطاع، فإنهم يرون شركات تقدم منتجات وخدمات فائقة الجودة بأسعار منخفضة، أو حتى من دون أي سعر على الإطلاق.

ويمكن التعامل مع الممارسات التجارية التي تثير مخاوف بشأن مكافحة الاحتكار بموجب المعايير السائدة، ولا يجب إدانتها إلا بعد إثبات أنها ترفع الأسعار على الرغم من المظاهر. ولكن الكثيرون يرون تكرار احتكار العصر الزائف، ويصرون على أنه رغم أن الأضرار لا تتم ملاحظها من خلال تحليل مكافحة الاحتكار التقليدي، إلا أنها أضرار ذلك العصر نفسها.

إن أحد هذه الأضرار هو التدخل السياسي. لم تعد الاحتكارات تقدم الرشى للمشرعين كما فعلت في القرن التاسع عشر، ولكن من الواضح أن شركات التكنولوجيا الكبرى تمارس تأثيراً كبيراً في السياسة الأمريكية.. وفي سواها.

مع تعيين المناصرة البارزة لمكافحة الاحتكار، لينا خان، في منصب الرئيس الجديد للجنة التجارة الفيدرالية بالولايات المتحدة، حان الوقت للنظر في التأثير الذي ستحدثه حركة من يطلق عليهم «البرانديزيون الجدد»، في قانون الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الاحتكار. وخان شخصية بارزة في تلك الحركة.

وبحجة أن قانون مكافحة الاحتكار وإنفاذ القانون ضعيفان للغاية ويفتقران للفعالية، فإن أعضاء حركة «البرانديزيون الجدد»، الذين سُمّوا على اسم قاضي المحكمة العليا الأمريكية لويس برانديز، أكثر انفتاحاً على تفكيك الاحتكارات من خبراء مكافحة الاحتكار التقليديين.

وحتى قبل أن يحقق أتباع برانديز الجدد مكانة بارزة، كان هناك إجماع متزايد على أن المحاكم الأمريكية والهيئات التنظيمية لا تطبق قانون مكافحة الاحتكار بقوة كما ينبغي. وقد أدت فترة طويلة من التراخي في التطبيق إلى زيادة تركيز الأسواق، وارتفاع أسعار المستهلكين وأرباح الشركات.

ويتمثل الحل الجزئي بمنح المنظمين مزيداً من الموارد، وتعزيز المعايير التي يستخدمها المنظمون للموافقة على عمليات اندماج الشركات الكبرى. ويقترح مشروع قانون برعاية السناتور، آمي كلوبوشار، من مينيسوتا، القيام بذلك بالضبط.

ولكن بغض النظر عن دعم هذه الإجراءات البسيطة، فإن الإجماع بين خبراء مكافحة الاحتكار يتلاشى. إذ يتخذ الجدل بينهم شكل نقاش بين التكنوقراطيين من الوسط أو يسار الوسط الذين يكتفون بتخصيص المزيد من موارد الإنفاذ ورفع معايير الاندماج، وبين البرانديزيين الجدد الذين يسعون إلى المزيد. (يبدو أن اليمين يجلس على الهامش، ولا يفعل سوى التذمر من أن شركات التكنولوجيا الكبرى تميز ضد الجمهوريين).

ومن جانبهم، يلتزم التكنوقراطيون التحليل التقليدي لمكافحة الاحتكار، الذي يوازن بين مزايا المنافسة في السوق ومزايا الحجم. وهم يعتقدون أنه ينبغي السماح للشركات بالنمو من خلال تقديم منتجات وخدمات فائقة الجودة، حتى لو انتهى بها الأمر بالسيطرة على الأسواق. ويجب السماح بعمليات الاندماج ما دام أنها تولد وفور الحجم التي تفوق التأثيرات المانعة للمنافسة.

* أستاذ في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو