كشفت أزمة «كوفيد 19» عن أمر أكبر من مجرد افتقارنا للتأهب للجائحة، حيث إنها كشفت أيضاً عن مدى التفاوت المنهجي فيما يتعلق بالصحة وكيف أن مثل هذا التفاوت يفاقم من أزمة الصحة العامة مما يضع الجميع في خطر. إن المعاهدة الإطارية للصحة العامة من خلال تعزيز التعاون والمساءلة والمساواة سوف تحسّن من أمن الصحة العالمية لأسباب ليس أقلها المساعدة في منع تفاقم تهديدات الصحة العامة الجديدة ولهذا السبب يتوجب على قادة العالم أن يقوموا وبشكل عاجل بإطلاق عملية من أجل إبرام المعاهدة الإطارية للصحة العالمية.

كما أكد تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في مارس الماضي، فإن إقرار وتبني معاهدة تتعلق بالجوائح سوف تعزز البنية التحتية الصحية الدولية، ولكن المعاهدة الإطارية للصحة العالمية ستكون بمثابة نقطة تحول بشأنها.

لقد استجابت الهيئة الإدارية لمنظمة الصحة العالمية والتي تتكون من وزراء الصحة لمطالبة العشرات من قادة العالم من أجل إبرام معاهدة جديدة للتأهب والاستجابة للجائحة، حيث ستعقد جلسة خاصة في نوفمبر مخصصة لمثل تلك المعاهدة مما يعد خطوة إيجابية ولكن الاستجابة العالمية لـ«كوفيد 19» والتأهب الكافي للجوائح المستقبلية تتطلب أكثر من ذلك بكثير.

لقد أظهرت أزمة «كوفيد 19» إن البنية التحتية للصحة العالمية غير قادرة ببساطة على إدارة- ناهيك عن الوقاية من - الجائحة ولكن الجائحة أظهرت أيضاً أنه يتوجب علينا عدم التركيز فقط على تفشي الأمراض المعدية حيث يتوجب علينا كذلك التصدي لجائحة عدم المساواة والتي سلطت الأزمة الضوء عليها.

في كل عام، أكثر من 16 مليون شخص يعيشون في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يموتون لأسباب كان يمكن تجنبها فالغالبية الساحقة فقيرة نسبياً ولديها قدرة محدودة على الوصول للتعليم ومهمشة أو تعيش في بلدان محدودة الدخل أي بعبارة أخرى وكما أشارت مفوضية منظمة الصحة العالمية للمحددات الاجتماعية للصحة قبل أكثر من 12 سنة «الظلم الاجتماعي يقتل الناس على نطاق واسع».

إن اللقاح الوحيد ضد هذه الجائحة هو بنية تحتية صحية عالمية مبنية على أساس مبادئ المساواة وحقوق الإنسان. إن تأثير مثل تلك المقاربة لا يقتصر فقط على التقليل من الوفيات التي يمكن الوقاية منها بشكل دراماتيكي، بل إن تلك المقاربة سوف تكمل بشكل حيوي المعاهدة المقترحة من اجل تعزيز التأهب والاستجابة للجوائح عالمياً ولهذا السبب نحن ندعو إلى تبني معاهدة إطارية للصحة العالمية وهي معاهدة أخرى مقترحة قائمة على أساس حق الصحة.

إن حق الصحة يتجاوز الاستجابة للحالات الطارئة مثل تفشي فيروس كورونا بحيث يشمل مسؤولية التحقق من قدرة الجميع على الوصول إلى المحددات الكامنة للصحة مثل الطعام المغذي والرعاية الوقائية وطالما يتم تجاهل تلك العوامل فإن الشعوب الفقيرة والمهمشة سوف تستمر في المعاناة بشكل غير متناسب من أمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والتي تزيد من خطر المضاعفات والوفاة من أمراض أخرى مثل «كوفيد 19».

إن حق الصحة يتطلب أيضا المساءلة بما في ذلك المراقبة المستقلة وتصحيح الانتهاكات وإيجاد حلول مرتبطة بالسياسات لمنع تكرارها وهذا سوف يقلل من الفساد ويقود إلى أنظمة صحية اقوى تحمي العاملين الصحيين وعامة الناس وتستخدم التمويل بشكل فعال بالإضافة إلى توزيع الخدمات والموارد بشكل عادل.

إن النقطة الأخيرة حيوية، فالشعوب المهمشة مثل المهاجرين من المرجح أن تعتمد على أنظمة الرعاية الصحية العامة ولكن المنشآت الصحية المتاحة لتلك المجتمعات تكون بالغالب غير خاضعة للمساءلة أو قليلة الموارد علماً انه في نظام قائم على أساس حق الصحة فإنه سوف يتم توزيع الموارد على أساس الحاجة بدلاً من الثروة أو الصلات الاجتماعية مما يؤدي إلى نتائج صحية أكثر عدالة.

إن المساواة والمساءلة تعتبران من الأمور الأساسية بالنسبة لثقة الناس والتي بدورها تعتبر حيوية من أجل التقليل من التردد بالنسبة لأخذ اللقاح والتحقق من الالتزام على نطاق واسع بإجراءات الصحة العامة مثل لبس الكمامات والتباعد الاجتماعي أثناء تفشي الأمراض. إن المشاركة في اتخاذ القرارات والإحساس بأن الأنظمة الصحية هي ملك للشعب سوف يعزز كذلك من الثقة.

إن المعاهدة الإطارية للصحة العالمية تدعم إنشاء مثل تلك الأنظمة الصحية وذلك من خلال ترسيخ مقاييس واضحة وذات معنى مثل إدماج الشعوب المهمشة بشكل كامل ضمن تلك الأنظمة كما أنها سوف تزود البلدان بأدوات وإرشادات مفيدة بما في ذلك خطط طريق شاملة وبرامج عمل وطنية وتقييم للتأثير كما أنها ستتضمن التزامات ملموسة للبلدان من اجل إحراز تقدم في بناء الأنظمة الصحية على أساس الحق في الصحة.

إن مثل تلك الالتزامات سوف تشمل كذلك مشاركة القطاع الخاص فعلى سبيل المثال يمكن للمعاهدة الإطارية للصحة العالمية أن تلزم الحكومات بتضمين بنود في العقود مع المؤسسات الخاصة من أجل التحقق من قدرة الجميع على الوصول للتقنيات الطبية (مثل اللقاحات) التي تقوم بتطويرها وهذا يمكن تحقيقه من خلال تحديد أسعار معقولة ونقل التقنية والمعرفة والانفتاح فيما يتعلق بالبيانات بالإضافة إلى الترخيص. إن وجود إطار للتمويل على المستوى الوطني والمستوى العالمي مع تطويعه من أجل التأقلم مع السياق الوطني من خلال أساليب العمليات التشاركية من شأنه المساعدة في التحقق من وجود موارد كافية.

إن من المؤكد أن وجود معاهدة تركّز بشكل خاص على التأهب والاستجابة للجائحة يمكن أن تحسّن من أمن الصحة العالمية وحتى المساواة في أمور مثل القدرة على الوصول للقاحات وعليه فإن من الأخبار الطيبة أن المجتمع الدولي يتحرك بهذا الاتجاه.

* المديرة العامة السابقة لوزارة الصحة بجنوب إفريقيا والرئيسة السابقة للمجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية وهي عضو في الفريق المستقل الذي تم اختتام أعماله مؤخرًا حول التأهب للجوائح والاستجابة لها

* مدير مركز الصحة العالمية في فونداسيو اسوالدو كروز (فيوكروز) وهو رئيس تحالف أمريكا اللاتينية للصحة

* أستاذة في جامعة سيمونز ورئيسة المعاهدة الإطارية لتحالف الصحة العالمية