العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    البيانات بوصفها ركيزة مكافحة الجائحة

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    تعتبر البيانات ضرورية لمكافحة الوباء الذي يحيق بنا، لكن المقارنات بين البلدان ركزت كثيراً على النوع الخطأ، وقد أعطى هذا بعض القادة السياسيين حافزاً قوياً للتقليل من شأن الوباء، ويمكن القول إن ذلك أسهم في وفاة ملايين الأشخاص.

    ونظراً لانعدام الثقة على نطاق واسع في الخبراء ووسائل الإعلام الرئيسة، من الأهمية بمكان التأكيد على نوع من البيانات المتعلقة بـ«كوفيد 19»، ونقصد بها تلك التي تقدم أكبر قدر ممكن من المعلومات، التي يمكن الوثوق بها إلى أقصى حد ممكن، إذ يُنصب معظم الاهتمام على الإصابات والوفيات المسجلة رسمياً في البلدان، والأولوية الإحصائية الأولى هنا واضحة جداً: تقسيم الحالات والوفيات حسب حجم السكان من أجل التعبير عنها حسب الفرد، ولكن حتى عند الإبلاغ عنها على أساس الفرد الواحد، فإن الإجماليات الرسمية عادة ما تقلل إلى حد كبير من العدد الحقيقي لحالات الإصابة بالعدوى والوفيات، إذ لا يُحسب حاملو فيروس «كورونا» على أنهم مصابون إلا إذا ثبُتت إصابتهم أو تم نقلهم إلى المستشفى، في حين أن عدد الوفيات يشمل فقط الأشخاص الذين تصرح شهادات وفاتهم على أنهم ماتوا بسبب «كوفيد 19».

    وتتفاوت التقديرات الخاصة بمدى النقص في عدد الإصابات والوفيات، إذ تفيد تقديرات نموذج معدل الوفيات الزائدة الذي تنشره مجلة الإيكونوميست أنه، حتى الآن، أودى «كوفيد 19» بحياة ما بين 7-13 مليون شخص على مستوى العالم، أي نحو ثلاثة أضعاف عدد الوفيات الرسمية الحالية البالغة 3.5 ملايين. وغالباً ما يكون العدد المنقوص أكثر تطرفاً في البلدان المنخفضة الدخل، فقد كان معدل الوفيات الزائدة في إحدى البلدان العربية، أكبر 13 مرة من معدل وفيات «كوفيد 19» المحدد رسمياً.

    يجب على وسائل الإعلام وعامة الناس إيلاء المزيد من الاهتمام للمؤشرات الأخرى، التي تقدم معلومات أكثر، والتي هي أقل عرضة للتأثير السياسي، فبادئ ذي بدء، تعد حصة الاختبارات الإيجابية لفيروس «كورونا» في جميع الاختبارات، التي تجرى أكثر إفادة بكثير من معدلها حسب سكان البلد، وبلغ معدل الإيجابية الحالي في الهند واحد في كل أربعة، وهو رقم يدق ناقوس الخطر، ولو ركز رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، على هذا المؤشر قبل بضعة أشهر، ربما لكان سيتجنب الإعلان عن انتصاره على الفيروس قبل الأوان، وعوض ذلك، قام بتسهيل انتشار التجمعات السياسية الجماهيرية والاحتفالات الدينية.

    وفي المقابل، انخفض معدل الإيجابية في الولايات المتحدة مؤخراً إلى أقل من 3%، ويُفترض أن يعكس هذا معدل تطعيم أعلى مما هو عليه في الاتحاد الأوروبي، ومعظم البلدان الأخرى.

    إن إيلاء المزيد من الاهتمام لمعدل الإيجابية كان من شأنه أن يشجع الحكومات على زيادة الاختبارات. وما حصل هو أن التركيز على الإصابات، التي تم التحقق منها كنسبة مئوية من السكان أعطى صانعي السياسات حافزاً خطيراً لتقليل عدد الاختبارات، فقد قال الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، في مايو 2020، «لو لم نقم بأي اختبار، لسجلنا عدداً قليل جداً من الحالات»، وكذب مدعياً أن عدد الاختبارات في الولايات المتحدة كانت أكبر من معظم الدول الأخرى.

    ولم يكن ترامب وحده من تصرف بتلك الطريقة، فقد حد الرئيس البرازيلي، جاير بولسونارو، من عدد الاختبارات من أجل مظهره أمام الآخرين، وقلصها في الواقع عندما تزايدت حالات «كوفيد 19» بسرعة حادة، ومن بين القادة الآخرين الذين سعوا إلى التقليل من خطورة الفيروس، الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والرئيس التنزاني الراحل جون ماغوفولي.

    إن معرفة درجة التقليل من العدد الحقيقي يعني الإدراك أن الوباء أسوأ مما كنا نظن، ولكن تطبيق منظور تاريخي يقدم على الأقل بعض التشجيع- بشرط أن نتعامل مع الإحصاءات بصورة صحيحة.

    إن بيت القصيد هو أن الزيادة في معدل الوفيات لعام 2020 تبدو أسوأ من ارتفاع عام 1918 فقط عند مقارنتها بالأسباب الأخرى للوفيات، والتي انخفضت أكثر بكثير خلال القرن الماضي. إن أكثر ما يلفت الانتباه في المضمون البياني لمعدل الوفيات في الولايات المتحدة على مر الزمن- بل أكثر من القفزات الاستثنائية في عامي 1918 و2020- هو الاتجاه نحو انخفاض التدريجي والحاد للمعدلات من عام 1910 إلى الوقت الحاضر، بل حتى مع أخذها اتجاهاً معاكساً مريعاً في عام 2020، من %0.7 إلى %0.8، بقي معدل الوفيات أدنى مما كان عليه مؤخراً في عام 2000.

    ويعد كتاب التنوير الآن لمؤلفه ستيفن بينكر الصادر عام 2018 ترياقاً جيداً للانطباع الذي يجعلنا جميعاً نتصور أن العالم في طريقه إلى الكوارث الدائمة، إذ تُظهر البيانات المتعلقة بالصحة ومتوسط العمر المتوقع، ومحو الأمية، والأمن الشخصي، والحد من الفقر، اتجاهات إيجابية على المدى الطويل.

    * أستاذ تخصص تكوين رأس المال والنمو بجامعة هارفارد

    طباعة Email