العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الغرب وتنظيم العمل بعد الجائحة

    براناب باردهان بيركلي

    إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي العالمي الموجود حالياً، جراء الجائحة، يسهم في تعميق أزمات النقابات العمالية في دول العالم الغنية، حيث تعمل المنافسة العالمية، والأتمتة، وتركز السوق على إضعاف قدرة العمال التفاوضية. لكن قوة العمل الجمعية تقوضت أيضا بفعل التشرذم الداخلي. فلا يخلو الأمر من انقسام حاد بين الإنتاج في التصنيع والنقل من ناحية، والخدمات والتجزئة وتقديم الرعاية من ناحية أخرى.

    وبرغم أن عمال الخدمات في الولايات المتحدة وكندا كانوا خاضعين للتنظيم من قِـبَـل الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات، وفي أوروبا بواسطة UNI Europa (اتحاد عمال الخدمات الأوروبيين)، فنحن نعلم من الجائحة أن العمال في الرعاية الصحية، وتوصيل الطلبات، وغير ذلك من القطاعات، لا تزال ميزاتهم أقل مما ينبغي بشدة ولا يتمتعون بأي حماية.

    وتزداد حدة هذا الأمر في البلدان النامية (كينيا، وبيرو)، إذ تنخرط الغالبية العظمى من العمال في أنشطة غير رسمية، دون الحصول على أي مزايا أو حماية اجتماعية.

    ومع صعود اقتصاد العمل المؤقت، يجد المزيد من العمال في البلدان الغنية أنفسهم أيضا بدون حماية اجتماعية وأقل قدر من المساعدة لتلبية احتياجاتهم الخاصة. تحاول النقابات في ألمانيا توسيع نطاق إتاحة مواقع مراجعة العملاء الداعمة للعمال، لأن عمال الوظائف المؤقتة يعتمدون بشكل كبير على التقييمات عبر الإنترنت لـتأمين وظائفهم. وفي الولايات المتحدة، تدخل بعض الشركات الصغيرة السوق لتزويد عمال الوظائف المؤقتة بالتأمين الميسور التكلفة أو الإجازات المرضية. ويفتح اتحاد عمال المعادن في ألمانيا «IG Metall»، وهو أكبر اتحاد لعمال الصناعة في أوروبا، أبوابه للعاملين لحسابهم الخاص؛ كما يحاول اتحاد العمال المستقلين في بريطانيا على نحو متزايد التواصل مع عمال الوظائف المؤقتة.

    ينبع التشرذم العمالي أيضا من الكيفية التي يجري عليها تنظيم النقابات. في الولايات المتحدة يتسم العمل النقابي بعدم المركزية إلى الحد الذي يصبح معه أصحاب الأعمال في الشركات قادرين بسهولة على منع أو إضعاف الجهود التنظيمية الناشئة. منذ هزيمتهم، أدرك القائمون على التنظيم النقابي في بِـسمر Bessemer أنهم في احتياج إلى نقل جهودهم التنظيمية إلى مستوى الصناعة ــ كما حدث في أوروبا، حيث تجد الشركات فرادى قدرا أقل من الحافز أو النفوذ لكبح النقابات ــ وأيضا حشد عملاء شركة أمازون ضد ممارسات العمل في الشركة. وفي الجهود النقابية التي بُـذِلَـت مؤخرا، لم يكن المطلب الأساسي يدور حول الأجور بل حول استخدام الشركات للروبوتات وخوارزميات المراقبة لفرض وتيرة عمل لا هوادة فيها.

    في العديد من البلدان الغنية في الغرب، يبدو أن الصعوبات المصاحبة للجائحة أدت إلى زيادة في بعض أشكال تنظيم العمالة. ونظرا لمتوسط عمر الأعضاء المرتفع نسبيا في النقابات العتيقة الطراز، يحاول القائمون على التنظيم تحديث أساليبهم، باستخدام وسائط التواصل الاجتماعي وشبكات العمل، على سبيل المثال، لحمل جيل «الألفية» على المشاركة من خلال الالتماسات والرسائل عبر الإنترنت الموجهة نحو مخاوف غير مرتبطة بموقع العمل المادي. وحتى العمال الشباب من ذوي المهارات العالية والأجور الأعلى يشعرون بقلق متزايد إزاء انعدام الأمن في العمل.

    في نيوزيلندا، حيث جرى تعطيل النقابات بشكل كبير في سوق العمل منذ تسعينيات القرن العشرين، تجري جهود المساومة لوضع حدود دنيا جديدة للأجور والمعايير المرتبطة بظروف العمل عبر قطاعات ومهن بعينها.

    ما يدعو إلى التفاؤل أن المزيد من المساهمين في أيامنا هذا يُـظهِـرون الانفتاح على فكرة مفادها أن التفاوض مع العمال بشأن الاستقرار الوظيفي والرفاهة وبرامج التدريب قد يكون مفيدا للإنتاجية والأرباح في الأمد البعيد ــ وهذا خروج عن النظرة السائدة منذ أمد بعيد إلى العمالة على أنها مجرد تكلفة أخرى يجب تقليصها إلى الحد الأدنى لصالح الأرباح ربع السنوية ومكافآت نهاية العام للمديرين التنفيذيين. من خلال مستوى معين من الإدارة المشتركة، حيث يكون جميع الأطراف لديهم مصلحة في توضيح الأمور والعمل نحو تحقيق أهداف بعيدة الأمد تجلب المنفعة المتبادلة، يصبح بوسع النقابات العمالية أن تتحمل المزيد من المسؤولية عن المسار العام للشركات والصناعات.

    تتجلى هذه الاتجاهات بالفعل في أحداث أخيرة مثل نهب مصنع تجميع أجهزة iPhone التابع لشركة Wistron بالقرب من بنجالور، حيث يعمل نحو 2000 عامل دائم غير منتسبين إلى نقابات فضلا عن 7000 عامل بعقود. تتضمن المظالم التي أثارت غضب العديد من العمال عدم دفع الأجور أو التأخر في دفعها، وتمديد يوم العمل إلى 12 ساعة دون إشعار مسبق ودون استشارة، وعدم كفاية تدابير السلامة للنساء في النوبات الليلية.

    المنظمات العمالية أصبحت على الرغم من ذلك في موقف عصيب في العديد من البلدان. ولإعادة ترسيخ موطئ قدم، سيكون لزاماً عليها أن تتحالف مع حركات اجتماعية أعرض . هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستتمكن بها النقابات العمالية في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، من التغلب على القيود العديدة المفروضة اليوم على العمل الجمعي. وسوف يكون التقدم بطيئاً إلى أن يتراكم القدر الكافي من الدعم الشعبي للنقابات، والقدر الكافي من المساءلة العامة لأصحاب العمل في الشركات، لمنع الشركات العملاقة مثل أمازون من تعطيل أو عرقلة تنظيم العمل ثم الإفلات من العقاب.

     

    * أستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.

    opinion@albayan.ae

    طباعة Email