قراءة في إنجازات بايدن

ريتشارد ن. هاس

مضت أشهر عدة على تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، وليس من السابق لأوانه استخلاص بعض الاستنتاجات المبدئية حول طبيعة رئاسته.

إن أهم ما قام به بايدن حتى الآن هو توسيع نطاق إمدادات لقاحات «كوفيد 19»، وتسريع وتيرة التطعيم على المستوى المحلي، إذ قدمت الولايات المتحدة نحو 220 مليون جرعة منذ أن تولى بايدن منصبه؛ كما تتوفر على أكثر مما يكفي من الإمدادات، لضمان «تمنيع» جميع الأشخاص البالغين. وتراجعت حصيلة الوفيات اليومية جراء المرض من أكثر من 4000 وفاة في اليوم إلى أقل من 1000، كما أن الاقتصاد على استعداد للانطلاق، حتى إن البعض قلق من احتمال نشاطه بصورة مفرطة.

وخلال هذه الفترة، برزت المحاور الأساسية، التي تشكل جوهر رئاسة بايدن، والتي وضحها في خطابه، الذي ألقاه في 28 أبريل الماضي أمام الكونغرس، وهي: التركيز على معالجة التحديات المحلية، وتوسيع دور الحكومة الفيدرالية في تحفيز الاقتصاد، وتوفير الخدمات الأساسية، والدعم المالي للمواطنين، والالتزام بالتصدي للعنصرية، وتحديث البنية التحتية، وزيادة تنافسية الدولة، ومكافحة تغير المناخ. وهناك أيضاً استعداد لزيادة الضرائب على الشركات والأثرياء.

ويمثل الكثير مما أنجزه بايدن أو يريد إنجازه خروجاً حاداً عن نهج سلفه، دونالد ترامب؛ ويحظى بشعبية لدى العديد من الأمريكيين. ومع ذلك، يثبت نهجه في السياسات المتعلقة بالهجرة عكس ذلك، إذ يرى البعض أن رسائله مسؤولة جزئياً عن الزيادة في عدد الأشخاص ممن يحاولون دخول الولايات المتحدة، عبر حدودها الجنوبية.

وأعاد بايدن الحلفاء والتحالفات التقليدية إلى موقع أساسي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وقد استضاف بالفعل رئيس الوزراء الياباني، يوشيهيدي سوغا، في واشنطن، وسوف يقوم بأول رحلة خارجية له إلى أوروبا الشهر المقبل، من أجل حضور قمة مجموعة السبع. ولن يتم سحب أي قوات أمريكية من ألمانيا، وهو ما قال ترامب إنه سيقوم به، وجعلت إدارة بايدن حقوق الإنسان محور سياستها الخارجية، وانتقدت باستمرار روسيا والصين، وفرضت عقوبات على ميانمار، بيد أن هناك استمرارية في السياسة الخارجية بين بايدن وترامب بصورة تفوق ما يبدو للعيان للوهلة الأولى.

وهناك استمرارية كبيرة في ما يتعلق بالسياسة تجاه الصين أيضاً، إذ لم نعد نسمع مطالبات بتغيير النظام، لكن الاتصال الدبلوماسي رفيع المستوى الوحيد بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين لم يكن دبلوماسياً على الإطلاق.

أما بالنسبة للتجارة، فالشيء الذي لم يتغير بعد هو غياب المبادرات، إذ من خلال السياسة القوية المختلفة التي يعتمدها بايدن تجاه الصين، ليس هناك ما يدل على أن الولايات المتحدة ستعيد النظر في عدم رغبتها في الانضمام إلى التجمعات التجارية الإقليمية لآسيا والمحيط الهادئ. وبدلاً من ذلك، هناك التزام مستمر بـ«شراء المنتجات الأمريكية»، إلى جانب الحديث عن السياسة الخارجية للطبقة الوسطى، وهو شعار فارغ، يشير إلى أن التجارة ستظل ذات أولوية متدنية نظراً لما تثيره من جدل ما زال قائماً مع العديد من الأمريكيين.

وحتى في سياق «كوفيد 19» اعتمدت رئاسة بايدن شيئاً من نهج «أمريكا أولاً» عندما تعلق الأمر بمشاركة (أو بالأحرى رفض مشاركة) اللقاحات الأمريكية الصنع مع بقية العالم.

وعلى غرار جميع الرؤساء الأمريكيين، لا يزال بايدن يتمتع بقوة ونفوذ كبيرين، ولكن، كما أظهرت الأشهر المنقضية، من ولايته، فإن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الرؤساء الأمريكيون السيطرة عليه هو السياق الذي يعملون فيه.

*رئيس مجلس العلاقات الخارجية.

opinion@albayan.ae

طباعة Email