أوروبا تقود العالم في العمل المناخي

صورة

تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخراً بخفض انبعاثات غازات الانحباس الحراري الكوكبي إلى النصف (من مستويات 2005) بحلول عام 2030، وهو تطور مهم يجب أن يكون موضع ترحيب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالاستثمار البيئي والاجتماعي وفي مجال الحوكمة، تمارس الولايات المتحدة لعبة اللحاق. ومن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي متقدم بفارق كبير على الجميع، ومن خلال تأثير بروكسل، يمهد الاتحاد الأوروبي طريقاً أكثر سلاسة للجميع.

تواصل أوروبا قيادة العالم في مجال العمل المناخي. في الأسبوع الأخير وحده، توصل البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي إلى اتفاق مؤقت، يقضي بترسيخ هدف خفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي بنسبة 55% بحلول عام 2030 في القانون والوصول إلى صافي الانبعاثات صِـفر بحلول عام 2050، كما نشر الاتحاد الأوروبي «تصنيف التمويل المستدام»، الذي طال انتظاره.. الخطوة التي قد تصبح معياراً عالمياً للاستثمار الأخضر وتحويل أسواق رأس المال.

خلال نصف العقد الماضي، ارتفع بشكل حاد وعي الجماهير، والشركات، والمستثمرين بالمخاطر البيئية والاجتماعية، وتلك المرتبطة بالحوكمة. وتوسعت الاستثمارات البيئية والاجتماعية، وفي مجال الحوكمة بشكل كبير أثناء الجائحة، والآن أصبحت واحدة من أسرع فئات الأصول نمواً على مستوى العالم، وهو اتجاه من المنتظر أن يستمر.

على نحو مماثل، ازدهر سوق السندات الاجتماعية والخضراء وسندات الاستدامة في السنوات الأخيرة. كما ازداد الإصدار العالمي خلال الفترة من 2015 إلى 2019 بأكثر من ستة أضعاف؛ وفي العام الماضي، تجاوز إجمالي إصدارات السندات المستدامة تريليون دولار.

لعب الاتحاد الأوروبي دوراً مركزياً في دفع هذا التقدم، وكان بنك الاستثمار الأوروبي هو الذي أصدر أول سند أخضر في العالم عام 2007، ويظل الاتحاد الأوروبي مركزاً عالمياً للسندات البيئية والاجتماعية وسندات الحوكمة اليوم. علاوة على ذلك، يُـعَـد اليورو العملة العالمية المفضلة للتمويل المستدام، إذ إن نحو 50% من أسواق رأس المال المستدام على مستوى العالم مقومة باليورو، مقارنة بنحو 27% بالدولار الأمريكي.

أثناء الجائحة، عزز الاتحاد الأوروبي قيادته للاستثمارات البيئية والاجتماعية، وفي مجال الحوكمة، بما في ذلك من خلال دمج السندات الخضراء والاجتماعية في مبادرات الإغاثة. على سبيل المثال، تولت آلية الاستقرار الأوروبية تصميم خط ائتمان للاستجابة للجائحة، بقيمة 240 مليار يورو (290 مليار دولار أمريكي) للرعاية الصحية في بلدان منطقة اليورو. وسوف تُـمَـوَّلَ هذه الأداة باستخدام السندات الاجتماعية، إذا طُـلِـبَ ذلك.

مع ذلك، يجب بذل المزيد من الجهد لتسخير الإمكانات الكاملة لرأس المال البيئي والاجتماعي ورأس مال الحوكمة. والاحتياج واضح إلى منهجيات ومصطلحات موحدة للتقليل من التنافر في السوق ومنع ما يسمى الغسل الأخضر (تصوير أي نشاط أو استثمار على أنه أكثر استدامة من حقيقته).

هنا، يتولى الاتحاد الأوروبي مرة أخرى زمام المبادرة، مستخدماً الضوابط التنظيمية والمبادئ التوجيهية لتعزيز سوق التمويل المستدام.

تتبع الشركات المتعددة الجنسيات الضوابط التنظيمية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي ــ من اللائحة العامة لحماية البيانات إلى القواعد البيئية ــ لاكتساب القدرة على الوصول إلى أسواقها الاستهلاكية الضخمة الثرية، ولكن نظراً لتكاليف تعديل عملياتها وفقاً لمناهج تنظيمية متعددة، فإنها غالباً ما تطبق هذه القواعد عبر عملياتها العالمية، هذا هو «تأثير بروكسل».

لأن الاتحاد الأوروبي يُـعَـد أكبر سوق للاستثمارات البيئية والاجتماعية والاستثمارات في الحوكمة، فإن الشركات العالمية لديها حافز قوي لإنشاء محافظ استثمارية بيئية واجتماعية وفي مجال الحوكمة، لتتماشى مع التصنيف الجديد، وخصوصاً إذا كان المستثمرون يفضلون على نحو متزايد الاستثمارات التي تلبي المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة، وهذا يعني أن تصنيف الاتحاد الأوروبي قد يصبح معياراً عالمياً للتمويل المستدام.

كما يؤكد تقرير المخاطر العالمية، الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي مرة أخرى، يظل تغير المناخ بين التهديدات الرئيسية، التي تواجه البشرية. ومع ذلك، كانت الجهود متعددة الأطراف لحفز التمويل الأخضر منقوصة غالباً، ويبدو أن دعوة اتفاقية باريس للمناخ إلى جعل التدفقات المالية متسقة مع جهود التنمية القادرة على الصمود لم تلق آذاناً صاغية.

علاوة على ذلك، فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في تقديم قيادة مناخية فاعلة. الواقع أن الرئيس السابق دونالد ترامب سعى بقوة إلى الحد من الاستثمار البيئي والاجتماعي وفي الحوكمة. ليس من المستغرب إذاً أن تمتنع وزارة الخزانة الأمريكية عن إصدار أي سندات خضراء، وأن يتأخر الدولار الأمريكي كثيراً عن اليورو كونها عملة مفضلة لتمويل الاستثمارات البيئية والاجتماعية وفي مجال الحوكمة.

* المدير المالي لآلية الاستقرار الأوروبية.

* * أستاذة القانون والمنظمات الدولية في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، وكبيرة باحثين في معهد جيروم تشازين لإدارة الأعمال العالمية التابع لكلية كولومبيا لإدارة الأعمال.

opinion@albayan.ae

طباعة Email