نحو لجنة متخصصة بإقرار ميزانية عالمية

صورة

لقد أبرزت الجائحة كيف تحتاج التحديات الجماعية إلى حلول شاملة من قبل الحكومة والمجتمع بأسره. كما أظهرت أيضاً كيف أن الافتقار إلى البيانات الكاملة والمشتركة بشفافية يمكن أن يؤدي إلى سياسات ونهج معيبة ومُجزأة، فضلاً عن سوء فهم ضار.

علاوة على ذلك، لدينا ما يكفي من البيانات الاقتصادية والبيئية لإعداد المسودة الأولى لميزانية الأرض الواحدة، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى البيانات الضخمة وشبكات التواصل الاجتماعي. يمكن وينبغي جمع هذه البيانات بشكل جماعي، مثل ويكيبيديا. في الواقع، نظراً إلى الطابع المتعدد الأبعاد والتخصصات لميزانية الأرض الواحدة، سيكون من غير المناسب لأي فرد أو مجموعة أن تتولى هذه المهمة. وينبغي للجنة عالمية منعقدة تحت رعاية مُتعددة الأطراف أن تقود هذا الجهد. في الفترة الماضية، احتفل العالم بالذكرى الواحد والخمسين ليوم الأرض العالمي، الذي يهدف إلى الحفاظ على البيئة من المخاطر التي تهدد الكوكب. كان موضوع يوم الأرض العالمي لهذا العام - «استعادة أرضنا» - مُناسباً. وكما أوضحت جائحة فيروس «كوفيد 19»، فإن آثار النشاط البشري على الكوكب لا تحترم الحدود. إن الأرض عبارة عن نظام حي واحد ذاتي التنظيم، والذي يتطلب نظام محاسبة واحداً مُشتركاً يُحقق التوازن على الصعيد العالمي. نحن بحاجة إلى ميزانية عالمية.

في برقية لعام 1946، دعا ألبرت أينشتاين إلى تمويل «صراع الحياة والموت لتسخير الذرة لصالح البشر وليس لتدمير البشرية»، حيث جادل أن «نوعاً جديداً من التفكير ضروري إذا أردنا استمرار البشرية والانتقال نحو مستويات أعلى». يمكن قول الشيء نفسه عن الأزمة البيئية التي أحدثتها البشرية. يتطلب الخروج من هذه الأزمة وتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة «نوعاً جديداً من التفكير».

فقد أنتج النوع القديم من التفكير إطاراً سياسياً يستند إلى الدولة القومية. يُدرك صُناع السياسات التأثير المادي لأعمالهم على السكان المحليين، حيث تم قياسه من خلال المؤشرات الاقتصادية الكمية مثل الناتج المحلي الإجمالي. يؤكد نظام الأمم المتحدة للحسابات القومية - الذي تم نشره في عام 1953، وتم تحديثه في عام 1993، وأعيد تأكيده في عام 2008 - على قياس التدفقات، مثل الدخل والنفقات والواردات والصادرات.

ومع ذلك، حتى في حال توفر بيانات كافية - مثل البيانات المُتعلقة بتقييم الأراضي وحقوق الملكية الفكرية - فإن أنظمة الحسابات القومية ستعاني من عدم اتساق في تدفق المخزونات. إن عدم قياس العديد من الأصول والخصوم، والأرباح والخسائر، دليل على أن الاختلالات غالباً ما تكون ناتجة عن الأخطاء وحالات السهو، مما يجعل من الصعب قياس أثرها.

وعلى مستوى نظام الأرض الواحدة، يجب أن تتوازن جميع التدفقات والمخزونات. ومن شأن ذلك أن يجعل عملية قياس تأثير نشاط كل بلد على وجه العموم أسهل بكثير.

في الواقع، هناك بُعد اقتصادي تقليدي لهذه الحتمية. بعد الأزمة المالية الآسيوية لعام 1997، على سبيل المثال، بات من الواضح أن الجهود التي تبذلها الشركات والبنوك اليابانية لاستعادة ميزانياتها العمومية أدت إلى عدوى الكساد أو العدوى المالية في بلدان أخرى. في الاقتصاد العالمي القائم شديد التكامل، لا يوجد ادعاء بأن الميزانيات العمومية القومية موجودة بمعزل عن بعضها البعض. وفي حال حدوث عجز في الميزانية العمومية لبلد ما، فستكون البلدان الأخرى أيضاً عُرضة للخطر.

هناك أيضاً بُعد اجتماعي لهذا التحدي. يجب الأخذ بعين الاعتبار أعباء الديون العالمية المتزايدة. لكل دين من الديون المتكبدة أصل مقابل يمكن تحمله إذا ما حقق معدل عائد اجتماعي أكبر من تكلفة الأموال. ومع ذلك، نادراً ما يتم قياس هذه العوائد الاجتماعية (أو التكاليف) - وهي نقطة مهمة يجهلها أولئك الذين يضعون سياسات لتجنب ضائقة الديون. من شأن إتباع نهج أفضل أن يُمثل الديون والأصول المرتبطة بها، بما في ذلك التكاليف والفوائد ذات الصلة. وهذا يتطلب منظوراً عالمياً، يتشكل حسب الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

على نطاق أوسع، من شأن الميزانية العمومية للأرض الواحدة أن تقطع شوطاً طويلاً نحو تحديد ورسم خرائط لمعالجة الاختلالات العالمية. بعضها واضح بالفعل، مثل الاختلالات في توزيع الدخل والثروة. ومع ذلك، لم يتم بعد رسم خرائط للاختلالات الأخرى بشكل كافٍ، مثل التلوث ونقاط الاختناق في سلاسل التوريد العالمية.

تُشير المبادرات المُبتكرة من قبل شركات مثل «فيجوال كابيتاليست» إلى فوائد هذه الخرائط. على سبيل المثال، من خلال رسم أنماط استهلاك انبعاثات الكربون عالية التكلفة بشكل أكثر وضوحاً، سيكون العالم أكثر استعداداً لمعالجتها من خلال الابتكار والاستثمار.

يُشير ذلك إلى فائدة رئيسية أخرى لميزانيّة الأرض الواحدة: فقد تكشف عن المجالات التي يمكن أن تحقق التعاون العالمي أو الإقليمي من خلالها فوائد مُهمة، وإن كانت غير مُباشرة. على سبيل المثال، قد يُبين المنظور الشامل للنظام أن للعالم مصلحة اقتصادية وبيئية قوية في العمل بشكل جماعي لمساعدة أفريقيا على إدارة التحديات المتعلقة بالسكان والغذاء والطاقة والصحة والأمن.

ولعل الأهم من ذلك أن من شأن الميزانية العمومية للأرض الواحدة أن تُبرز أن حق كل دولة في التصرف بما يخدم مصالحها الخاصة يكون مصحوباً بالتزامات. على سبيل المثال، إذا عمل بلد ما على توسيع الاستخدام المكثف للأراضي أو بناء مصانع مُسببة للتلوث، فإن حسابها القومي سيسلط الضوء على فوائد الناتج المحلي الإجمالي، والتي يمكن اعتبارها أنها تفوق التكاليف البيئية. ومع ذلك، سيُظهر حساب الأرض الواحدة كيف تُساهم العوامل الخارجية مثل إزالة الغابات والتلوث في إلحاق أضرار بالغة بصحة البشر وفرص العمل والبيئة في أماكن أخرى، مما يُغير العملية الحسابية بشكل كبير.

يُقدم قرار اليابان الأخير بإطلاق مياه الصرف الصحي المُعَالجة تدريجياً من محطة فوكوشيما دايتشي النووية المدمرة في المحيط الهادئ مثالاً واضحاً على هذا التوتر. تُجادل السلطات اليابانية بأن المعارضة غير علمية. ومع ذلك، يُصر المنتقدون على أن تصريف مياه الصرف الصحي في المُحيط سيضر بالبيئة وينتهك حقوق الإنسان في الدول المُجاورة.

أياً كان الحل الأفضل، فمن الواضح أن هذه المسألة لا تؤثر على اليابان وحدها. لذلك، يجب على الدولة تحمل ليس فقط التكاليف الداخلية لإيجاد حل بديل، بل أيضاً الالتزامات الخارجية التي ينطوي عليها الحل الذي اختارته. حتى إذا ثبتت سلامة مياه الصرف الصحي نفسها، فإن هذا القرار قد يغذي حالة من عدم الثقة مما قد يؤدي في النهاية إلى إحداث خسائر مُشتركة كبيرة.

لن يكون إنشاء إطار عمل الأرض الواحدة أمراً سهلاً، ولا شك أنه سيواجه مقاومة قومية في العديد من البلدان. ومع ذلك، مثل تسخير الذرة، يُعد هذا صراع حياة أو موت. في الواقع، تُمثل الميزانية العمومية للأرض الواحدة «النوع الجديد من التفكير» الذي نحتاجه «للاستمرار والانتقال إلى مستويات أعلى».

 

* زميل متميز في معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام.

** رئيس مؤسسة هونغ كونغ للتمويل الدولي، وأستاذ ومدير معهد أبحاث طريق الحرير البحري في كلية الأعمال بجامعة بكين HSBC.

opinion@albayan.ae

 

طباعة Email
#