إصلاحات سياسية نوعية تحصن عالمنا وتضمن مستقبلنا

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

يحتاج عالمنا إلى الكثير من الإصلاحات الديمقراطية، تبدو في الفترة الحالية مهمة وملحة جداً نقرأ إرهاصاتها في واقع سياسات أمريكا اللاتينية.

فعلى سبيل المثال، ستحظى بيرو والإكوادور، مثلهما كمثل البرازيل وشيلي من قبلهما، بقادة أقوياء على الورق لكنهم ضعفاء في الممارسة العملية. وسوف يَـعِـدون بالكثير لكنهم لن يتمكنوا من تسليم إلا أقل القليل.

وسرعان ما سيشعر الناخبون بالإحباط ويتعهدون بإسقاطهم، والاستعاضة عنهم بأشخاص يهتمون حقاً وصدقاً بالمصالح الشعبية. سوف يقترح العلماء والناشطون المزيد من الإصلاحات التي تهدف إلى تمكين الناخبين. ثم تتكرر الدورة، مما يزيد من غضب الناخبين وسخطهم. الحق أن هذا النمط من غير الممكن أن ينتهي إلى خير.

إن بيدرو كاستيلو شعبوي يساري سلطوي يفتقر إلى الجاذبية أو الكاريزما التي يتمتع بها أغلب الشعبويين. وكيكو فوجيموري شعبوية يمينية سُـجِـنَت مؤخراً، وهي ابنة دكتاتور سابق يقضي عقوبة السجن لمدة 25 عاماً بتهمة القتل، والخطف، والفساد. معاً، حصل كاستيلو وفوجيموري على عدد من الأصوات أقل من واحد من كل ثلاثة أصوات في الجولة الأولى التي عقدت مؤخراً من الانتخابات الرئاسية في بيرو. ومع ذلك، سيكون أحدهما الرئيس المقبل.

نحن على يقين من التالي: أياً كان الفائز في جولة الإعادة فإنه سيواجه صعوبة جمة في الحكم. يحتل حزب كاستيلو (Perú Libre) سبعة وثلاثين معقداً فقط من أصل 130 مقعداً في الكونغرس. ويحتل حزب فوجيموري (Fuerza Popular) أربعة وعشرين مقعداً فقط.

وربما تتمكن فوجيموري من تجميع الأغلبية بالكاد، لأن ثلاثة أحزاب يمينية أخرى تحتل مجتمعة خمسة وأربعين معقداً. لكن التسوية وبناء التحالفات ليسا من سمات السياسة في بيرو.

الواقع أن أغلب الأحزاب عبارة عن قشور بنيت حول شعبية زائلة يتمتع بها زعيم منفرد. تنفق هذه الأحزاب وقتها وطاقاتها في إسقاط أي سياسي آخر يحاول الحكم. هذا ما فعلته فوجيموري وحزبها مع بيدرو بابلو كوتشينسكي، الذي هزمها بفارق ضئيل في عام 2016، ومارتن فيزكارا، الذي أصبح رئيساً بعد استقالة كوتشينسكي في عام 2018.

تعيش الإكوادور الواقعة على حدود بيرو الشمالية مأزقاً مماثلاً. فسوف يصبح جييرمو لاسو، وهو مصرفي محافظ، رئيساً بعد فوزه بهامش ضئيل على أندريس أراوز، الاقتصادي ذي الميول اليسارية والشريك المقرب لرافائيل كوريا، الرئيس السابق الذي حكم عليه مؤخراً بالسجن لمدة ثماني سنوات بتهمة الفساد.

لكن حزب لاسو (CREO) سيحصل على 12 صوتاً فقط في الكونغرس المؤلف من 137 مقعداً، وهو ما قد يرتفع إلى 31 مقعداً إذا تمكن من الاعتماد على دعم المسيحيين الاجتماعيين من يمين الوسط. على النقيض من ذلك، يحتل حزب كوريا 48 مقعداً، وتحتل حركة Pachakutik، التي نظمها سكان أصليون، والتي جاء مرشحها في المرتبة الثالثة في السباق الرئاسي، 27 مقعداً.

لم يفز لاسو لأنه وعد بنمو اقتصادي أسرع، بل لأن غالبية الناخبين كانوا غير راغبين في تكرار تجربة المزيج السام من الشعبوية وتكتيكات الذراع القوية خلال سنوات حكم كوريا. ومثله كمثل رئيس بيرو القادم، سيواجه لاسو صعوبات جمة في الحكم. ومن المرجح أن تظل خططه للإصلاح الداعم للسوق في الأدراج.

ليس الأمر أن الناخبين أصبحوا أكثر تقلباً والساسة أشد عجزاً وحسب. الواقع أن قواعد الديمقراطية في أمريكا الجنوبية تعزز التشرذم السياسي والحكومة المنقسمة.

لكن انتزاع السلطة من الساسة لم يكن مُـرضياً للناخبين. بل على العكس من ذلك، أنتج الحكم الضعيف سياسة فوضوية، وسياسات متواضعة، ونتائج اجتماعية واقتصادية هزيلة (لم يكن الفشل الذريع في السيطرة على مرض فيروس كورونا 2019 سوى أحدث مثال)، ومواطنين محبطين على نحو متزايد.

يحدد نوع النظام (رئاسي أو برلماني) والنظام الانتخابي (نظام الأغلبية أو النظام النسبي) سياسة أي دولة. أفضى الجمع بين الحكم البرلماني والتمثيل النسبي ديمقراطيات نموذجية في الدول الإسكندنافية. كما نجحت أيضاً الصيغة البرلمانية المعمول بها في وستمنستر، حيث يفوز من يجمع أكبر عدد من الأصوات، والتي تبنتها كندا وغيرها من دول الكومنولث.

وتتجلى الاستثنائية الأمريكية في الجمع بين الترتيبات الرئاسية والأغلبية. على الرغم من الرئيس السابق دونالد ترمب، عملت هذه التركيبة على إدامة الديمقراطية المستقرة لمدة تقرب من القرنين ونصف القرن من الزمن.

ثم هناك التركيبة الغريبة التي تجمع بين النظام الرئاسي والنظام الانتخابي النسبي، والذي لا يوجد إلا في أمريكا اللاتينية. يُـنـتَـخَـبَ الرئيس لفترة محددة في المنصب، ويظل باقياً بغضّ النظر عما إذا كان يتمتع أو لا يتمتع بأغلبية برلمانية. وتسلم الأنظمة النسبية، التي تخصص المقاعد وفقاً لحصة تصويت كل حزب، ذلك النوع من البرلمانات المفتتة التي جرى انتخابها في بيرو والإكوادور للتو، والتي كان لزاماً على دول مثل البرازيل وكولومبيا وشيلي أن تتحملها في السنوات الأخيرة.

مع تكريس الانتخابات الرئاسية من جولتين في معظم دساتير أمريكا اللاتينية الآن، يستطيع الفائز النهائي أن يطالب بتفويض قوي، والذي ستنبع منه جميع أشكال الإصلاح العميق والمهم. الواقع أن هذا التعهد، الذي يُـبـذَلَ عادة بنبرة مهيبة في عشية الانتخابات، يتلاشى تحت ضوء الـفَـجر القاسي. وسرعان ما تتحول الأغلبية القوية في جولة الإعادة إلى أقلية ضعيفة في المجلس التشريعي.

تنتهي الحال ببعض الرؤساء، مثل سباستيان بينييرا في شيلي، إلى الاستسلام لأهواء ونزوات تحالفات برلمانية دائمة التغير. ويُـضـطـر آخرون، مثل جايير بولسونارو في البرازيل، إلى الاعتماد على أصوات مجموعات لا يشتركون معها إلا في أقل القليل من الأفكار؛ والنتيجة هي عملية صنع سياسات متقلبة ولا يمكن التنبؤ بها. وذهب آخرون، مثل ألبرتو، والد كيكو فوجيموري، إلى إغلاق البرلمان ببساطة وتولي سلطات شبه دكتاتورية ــ كما هدد كاستيلو بأن يفعل إذا لم تستجب السلطة التشريعية في بيرو لمطالبه.

لم يكن الجمع بين الرئاسة التنفيذية المحددة المدة والنظام الانتخابي النسبي فكرة رائعة قَـط. وما زاد الطين بلة تراجع مؤسسة ديمقراطية حاسمة أخرى: الأحزاب السياسية. الواقع أن العديد من بلدان أمريكا اللاتينية لم تحظ قَـط بأحزاب قوية ومستقرة. وفي البلدان القليلة التي حظيت بها ــ كولومبيا، وكوستاريكا، وشيلي، والأوروجواي ــ كانت الأحزاب أشبه بظل لذواتها السابقة.

على سبيل المثال، نجد في شيلي اليوم 15 حزبا قانونيا ونحو ستة أحزاب تستكمل الإجراءات لاكتساب الاعتراف القانوني. ولا يحظى أي حزب أو تحالف بأغلبية تشريعية عاملة. في عام 2020، أعرب 7% فقط من الناخبين في شيلي عن ثقتهم في الأحزاب، التي وُصِـفَـت بأنها أشبه بنباتات «مائية»: تطفو فوق المجتمع دون أن تضرب بجذورها في أرضه.

يعود تراجع الأحزاب في مختلف أنحاء المنطقة جزئياً إلى إصلاحات حسنة النية. كان من المتصور أن جعل النظام الانتخابي أكثر تناسباً سيعكس بشكل أفضل التنوع المتزايد في المجتمع؛ ولكن بدلاً من ذلك، أنتج هذا أحزاباً ضئيلة لا حصر لها ولا تمثل أحداً. كان المفترض أن يؤدي إدخال فكرة الانتخابات التمهيدية إلى جعل الأحزاب أكثر ديمقراطية داخلياً.

وهذا هو ما حدث حقاً، ولكن على النحو الذي هدد بجعلها عرضة للاستيلاء عيها من قِـبَـل مشاهير مخضرمين إعلامياً. كما تسببت زيادة الشفافية التي جاءت مع إصلاح تمويل الحملات الانتخابية في انهيار الانضباط الحزبي، حيث خسر رؤساء الأحزاب نفوذهم على البرلمانيين الباحثين عن الدعاية. وسمح الاستخدام المتزايد للاستفتاءات العامة لمجموعات صغيرة من النشطاء باختطاف أجندة السياسات.

لا تنفرد أمريكا اللاتينية بهذه المشكلة. يزعم عالما السياسة من جامعة ييل، فرانسيس ماكول روزنبلوث وإيان شابيرو، أن «إصلاحات لامركزية» مماثلة في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي كان المقصود منها «إعادة السلطة إلى الشعب»، تسببت في إضعاف الأحزاب وأدت إلى «سياسات هازمة للغرض منها في نظر معظم الناخبين». من عجيب المفارقات هنا أننا كلما اقتربنا من تحركات السلطة السياسية الشعبية القاعدية، كلما كانت خيبة رجاء القواعد الشعبية أكبر.

* مرشح رئاسي سابق في شيلي ووزير ماليتها الأسبق، ويشغل منصب عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

 

طباعة Email