00
إكسبو 2020 دبي اليوم

العالم المتقدم وضرورات الإصلاح الحقيقي

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يكن من المستغرب أن الاقتصادات المتقدمة قد شهدت بين فترة وأخرى في السنوات الأخيرة تفجر مشاعر الغضب – من انتخاب دونالد ترامب واستفتاء بريكست سنة 2016 إلى احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا والانتخابات الإيطالية التي أدت لوصول حزبين يعاديان السلطة لسدة الحكم – لكن على الرغم من الاضطرابات فإن التوقعات بانهيار ديمقراطي لم تتحقق، بل على العكس من ذلك تمكنت السلطة من ترسيخ نفسها مجدداً.

إن «كوفيد 19» قد أثّر سلباً على كل البلدان المتقدمة تقريباً، ولكن الحقيقة هي أن مستويات المعيشة في العديد من تلك البلدان كانت في حالة جمود أو تراجع منذ سنوات، والعديد من المقاييس سلطت الضوء على هذا الاتجاه، ولكن ربما المقياس الأكثر دلالة يأتي من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي أشارت إلى انخفاض تصل نسبته إلى 4% في متوسط الثروة الصافية للأسرة في البلدان الأعضاء فيها منذ سنة 2010. في كل مرة يضع الناس الغاضبون المغامرين السياسيين في السلطة فإن انكشاف حقيقة أنه لا توجد لديهم حلول حقيقية لمشكلات الناس تكون مسألة وقت فقط وعليه يجب على المرء أن لا يحلل كثيراً أوجه فشل الحكم الشعبوي علماً أنه تاريخياً عادة ما يكون الشعبويون أكثر فعالية من خارج السلطة.

حتى خلال الثورات التي بدا وكأنها قلبت جميع المؤسسات رأساً على عقب، غالباً ما أخفت الفوضى استمرارية كامنة. لقد بدأت الثورة الفرنسية بعد عامين من فشل وزير مالية لويس السادس عشر تشارلز الكسندر دي كالون في التخلص من الإعفاءات الضريبية للطبقات التي كانت تتمتع بامتيازات، وبعد 60 سنة من ذلك التاريخ خلص الكسيس دي توكفيل إلى نتيجة مفادها أن ما بدا وكأنها كارثة سنة 1789 لم تغير في واقع الأمر سوى القليل حول كيفية حكم فرنسا.

يبدو أن الثقافة تتغلب على الثورة، ففي روسيا استولى البلاشفة على السلطة بهدف متعصب يتمثل في تغيير النظام الاجتماعي القديم وإعادة تشكيل المجتمع، ولكن انتهى بهم المطاف إلى نتائج اخرى.

لكن بينما غالباً ما تفشل الثورات في إحداث التغيير فإن هذا لا يعني أنه لا يجب علينا أن نخشاها. فالتكلفة البشرية، في واقع الأمر، عادة ما تكون باهظة. وحتى لو حدث التغيير المؤسسي المفاجئ من دون عنف، فإن من شبه المؤكد أن يلحق الضرر بسبل العيش والرزق، مما يعني أنه ربما يتوجب علينا الانتباه للمتشائمين من الديمقراطية وخصوصاً في أوروبا.

إن الحكم المتصلب ومستويات المعيشة التي تعاني من تدهور مزمن قد خلقت الظروف الملائمة لمزيد من التعطيل والاضطرابات وليس سراً أن التقنيات التي حلت مكان العمالة وعولمة العمالة قد أفرغت الوظائف التي تدفع رواتب وتتطلب مهارات متوسطة، والتي كانت تعكس منذ فترة طويلة مستويات العيش والاستقرار الاجتماعي في الدول المتقدمة، ولكن خلال العقد الماضي فلقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب القمع المالي، وذلك نظراً لوجود مزيج من التقشف المالي ومعدلات فائدة منخفضة تاريخياً.

وفي هذا السياق فإن تزايد أوجه الانقسام المؤسسي ضمن الاتحاد الأوروبي قد خلق شعوراً بأن شيئاً ما سوف ينهار.

في كل مرة تحصل مشكلة فإن الإجماع الساحق هو أنه يتوجب على أوروبا وبكل بساطة أن تمضي قدماً وإن بصعوبة ونادراً ما كانت هناك أي رغبة بتغيير الأشياء سواء من خلال إنشاء حكومة أوروبية حقيقية بالقوة المالية اللازمة لمعالجة الأداء الاقتصادي الضعيف أم من خلال التراجع عن عملية الاندماج.

بالمقابل فإن هذا العذاب المؤسسي يجعل أوروبا ابن عم متواضع لأصدقائها وحلفائها، وبينما ترتفع أسعار الفائدة على خلفية اقتصاد مزدهر نسبياً في الولايات المتحدة الأمريكية، سوف يقتصر موقف البنك المركزي الأوروبي على التمسك مجدداً بموقفه الذي أصبح مألوفاً الآن. سوف يؤدي تدفق رأس المال إلى أدوات الدولار ذات العوائد المرتفعة إلى إضعاف اليورو وسوف تستخدم أوروبا هذا الانخفاض في قيمة العملة لتحقيق أي نمو يمكنها تحقيقه، وذلك من خلال الاستفادة من الطلب الخارجي بدلاً من تعزيز الطلب المحلي بشكل مادي، علماً أنه حتى لو أثبت المواطنون الأوروبيون استعدادهم لتقبل هذه الأوضاع الصعبة، فإن من غير الممكن أن نتوقع من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها أن تتحمل هذا الوضع للأبد. لقد أظهر فوز ماكرون أن من الممكن التغلب على انسداد الأفق طويل الأمد على مستوى الدولة ولكن المؤسسة السياسية الفرنسية الجديدة عطلت نفسها منذ ذلك الحين من خلال محاولة تجاوز اليسار واليمين. إن المزيد من التغيير في توجه الناخبين في الانتخابات الفرنسية القادمة – بعد أكثر من عام بقليل – من شأنه أن يعود بالفائدة على المنافس الرئيسي المناهض للمؤسسة السياسية: مارين لوبان من حزب التجمع الوطني الذي ينتمي لأقصى اليمين ولقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن ماكرون يتغلب على لوبان بأغلبية بسيطة تصل إلى 52 % فقط (مقارنة بهامش اثنين إلى واحد لصالح ماكرون في سنة 2017) مما يجعل لوبان قريبة جداً من الوصول لقصر الإليزيه.

لكن حتى لو تمكنت لوبين من أن تصدم فرنسا والعالم فإن رئاستها مثل الفترات المؤقتة السابقة من الحكم الشعبوي قد ينتج عنها ضجة أكبر بدلاً من سياسات جوهرية، وبالإضافة إلى المحددات والقيود المتعلقة بها شخصياً فإن الاعتماد المتبادل المؤسسي في أوروبا سيظهر مرة أخرى كعقبة حاسمة في وجه التغيير، وخصوصاً ضمن الاتحاد النقدي. وعلى الأرجح سيستمر الأداء الضعيف المشوش في أوروبا لبعض الوقت، ولكن هذا الاحتمال غير ملهم بقدر ما هو خطير في نهاية المطاف.

* أستاذة الاقتصاد الدولي والسياسة الاقتصادية في كلية كوين ماري جامعة لندن، ومؤلفة كتاب «ما هي مشكلة فرنسا؟».

opinion@albayan.ae

طباعة Email