تمويل عالمي مُلح للقضاء على الجائحة

صورة

قدمت اجتماعات الربيع التي عقدها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فرصة تاريخية للتعاون المالي.

وقد أشارت الاقتصادات الرئيسية، بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبلدان مجموعة العشرين، بالفعل إلى دعمها لتخصيص جديد بقيمة 650 مليار دولار من أصول صندوق النقد الدولي الاحتياطية، أو حقوق السحب الخاصة، لضمان حصول الحكومات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على السبل اللازمة لمكافحة جائحة مرض فيروس كورونا «كوفيد 19» والبدء على مسار التعافي بقيادة الاستثمار.

ومن خلال القيادة، والجرأة، والإبداع، من الممكن أن يساعد هذا التعاون المالي العالمي في القضاء على الجائحة.

التحصين الشامل هو المفتاح لتحقيق هذه الغاية. بعد مرور أقل من عام على تحديد فيروس SARS-CoV-2 على أنه الفيروس المسبب لمرض فيروس «كوفيد 19»، عمل الدعم المالي من قِـبَـل حكومات الدول على تمكين شركات عديدة من طرح لقاحات آمنة وفَـعّـالة.

حتى الآن، حصلت البلدان الغنية التي سارعت إلى التفاوض على صفقات مواتية مع صناع اللقاحات على معظم الجرعات. لكن القضاء على الجائحة يتطلب تحقيق تغطية اللقاحات بشكل شامل في كل البلدان بأسرع وقت ممكن. من الناحية العملية، لا ينبغي لتحقيق هذا الهدف أن يتجاوز نهاية عام 2022.

يتطلب تحقيق مثل هذه المهمة العالمية التعاون القوي، بما في ذلك الدعم المالي. مع ذلك، يجب أن يكون إلحاح هذه المهمة واضحاً للجميع. فما دام مرض فيروس كورونا مستمراً في الانتقال بمعدلات عدوى مرتفعة في أي مكان في العالم، فسوف تستمر الجائحة في تعطيل الإنتاج العالمي، والتجارة، والسفر، كما سيسمح ذلك بظهور طفرات فيروسية تهدد بتقويض المناعة المكتسبة سابقاً من الإصابات السابقة والتطعيم.

الأسوأ من ذلك أن «كوفيد 19» قد يستوطن العديد من مناطق العالم إذا واصلنا على المسار الحالي، وهذا من شأنه أن يفرض تكاليف صحية واقتصادية عالية لسنوات قادمة.

أنشأت حكومات العالم برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19»، الذي يتضمن مرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19»، وهو يمثل ركيزة اللقاح ضمن برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19»، لضمان السيطرة الشاملة على فيروس SARS-CoV-2.

ولكن في حين أنشأ برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» ومرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19» خططاً عالمية للقاحات والاختبارات والعلاجات، فإن هذه الخطط تحتاج إلى التعزيز بشكل عاجل لسببين مترابطين بقوة.

أولاً، يجب أن يرتفع الهدف التشغيلي الذي يسعى إلى تحقيقه حالياً مرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19» ــ تحصين ما لا يقل عن 27 % من كل سكان البلدان المؤهلة بحلول نهاية هذا العام ــ إلى تطعيم كل البالغين بحلول نهاية عام 2022. وهذا ضروري للقضاء على الجائحة وتقليل احتمالات نشوء طفرات جديدة للفيروس.

ثانياً، من الأهمية بمكان التخطيط بشكل عاجل حتى نهاية عام 2022، نظراً لفترات الإنتاج والتسليم اللازمة لتوسيع سلاسل إنتاج وتوريد اللقاحات وغير ذلك من السلع الأساسية.

ومع ذلك، يظل تمويل برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» ومرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19» منقوصاً حتى في عام 2021: ذلك أن المبالغ التي خصصتها الحكومات حتى اليوم (11 مليار دولار) تترك فجوة تمويلية قدرها 22 مليار دولار لهذا العام ــ وهو العجز الذي أدى حتى الآن إلى تأخير التخطيط اللازم حتى نهاية عام 2022.

من ناحية أخرى، يدفع نقص اللقاحات الحالي البلدان إلى التدافع لتخطي قائمة الانتظار، بما في ذلك من خلال دفع أسعار أعلى. يؤكد هذا على الحاجة الملحة إلى ضمان تمكين كل البلدان، بما في ذلك أكثرها فقراً، من تحقيق تغطية اللقاح الشاملة بطريقة عادلة وفي الوقت المناسب.

الواقع أن المبالغ الإضافية اللازمة لضمان تغطية اللقاح الشاملة بحلول نهاية عام 2022، وغير ذلك من مستلزمات «كوفيد 19»، متواضعة ــ ربما 50 مليار دولار لبرنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19».

وهذا مبلغ ضئيل مقارنة بالفوائد العالمية الهائلة المترتبة على القضاء على الجائحة والإنفاق الهائل المرتبط بالجائحة من قِـبَـل حكومات البلدان المرتفعة الدخل في مختلف أنحاء العالم. فقد أنفقت حكومة الولايات المتحدة وحدها ما يقرب من 5 تريليونات دولار في هيئة نفقات طارئة خلال الفترة من مارس 2020 إلى مارس 2021.

لإنجاز مهمته، يحتاج برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» (بما في ذلك مرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19») إلى تمويل مسبق لتغطية احتياجات اللقاح حتى عام 2022.

ولأن زيادة إنتاج اللقاحات (وبعض السلع الأساسية الأخرى) يتطلب مهلة زمنية تمتد من ستة أشهر إلى اثني عشر شهراً، فلابد أن يكون مبلغ الخمسين مليار دولار مضموناً في غضون الأسابيع المقبلة، حتى يتسنى لبرنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» ومرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19» العمل مع الشركات المصنعة لضمان توفير الإمدادات اللازمة.

عندما تصدر حقوق السحب الخاصة الجديدة، سيذهب ما يقرب من 20 مليار دولار من الاحتياطيات الجديدة مباشرة إلى البلدان الأكثر فقراً. بالإضافة إلى هذا، من المقرر أن يُـعاد تدوير نحو 100 مليار دولار أو أكثر من الأموال المخصصة للبلدان الغنية إلى صندوق النقد الدولي لاستخدامها لتقديم قروض طويلة الأجل منخفضة الفائدة.

كانت مديرة صندوق النقد الدولي الإدارية كريستالينا جورجييفا تعمل بشكل وثيق ومبدع مع حكومات مجموعة العشرين لتصميم هذا النهج الواعد الجديد. وتتمثل إحدى الأفكار الممتازة في استخدام حقوق السحب الخاصة لدعم الصندوق الائتماني للحد من الفقر وتعزيز النمو التابع لصندوق النقد الدولي، نافذة تمويل البلدان الفقيرة في صندوق النقد الدولي.

الآن، يقوم برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» بإعداد تقديرات التمويل الذي ستحتاج إليه 92 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل مؤهلة للحصول على الدعم من مرفق الوصول العالمي إلى لقاح «كوفيد 19» لتأمين اللقاحات، وأدوات الاختبار، والعلاجات، وغير ذلك من الإمدادات حتى نهاية 2022.

واستناداً إلى احتياجات التمويل المقدرة، يمكن وضع خطة مالية من قِـبَـل برنامج تسريع الوصول إلى أدوات مكافحة «كوفيد 19» لكل بلد على حِـدة، على أن تدعمها حقوق السحب الخاصة وأموال الصندوق الائتماني للحد من الفقر وتعزيز النمو الموسعة.

في الأسابيع القليلة المقبلة، يجب أن تظهر خطة منطقية لتمويل احتياجات ميزان مدفوعات «كوفيد 19» لجميع البلدان حتى نهاية عام 2022. أنشئ صندوق النقد الدولي في الأساس للتعامل مع مثل هذه الحالة الطارئة في ميزان المدفوعات. وسوف يعمل الوصول إلى التمويل من صندوق النقد الدولي على حماية رفاهة البلدان وضمان استقرار اقتصادها الكلي، وبالتالي رفاهة العالم واستقرار اقتصاده الكلي.

والآن يتعين علينا أن نغتنم هذه الفرصة المهمة السانحة للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والحكومات الرئيسية ــ بما في ذلك الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والمملكة المتحدة، وغيرها ــ للتعاون بشكل فَـعّـال من أجل خير الإنسانية.

 

 

طباعة Email
#