واقع مضاد تفرضه الجائحة على أوروبا

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تخيل أن جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، بدلاً من تقويض الثقة في الاتحاد الأوروبي، عملت على تعزيزها. تخيل أن الجائحة أقنعت قادة الاتحاد الأوروبي بضرورة التغلب على سنوات من المرارة والتشرذم. تخيل أنها تسببت هذا العام في تحفيز ظهور كتلة أقوى وأكثر تكاملاً يتطلع إليها العالم طلباً للزعامة العالمية.

تخيل، ليس من الصعب أن تتخيل:

في نهاية فبراير 2020، قبل أسبوعين من إعلان منظمة الصحة العالمية عن جائحة متفشية، كان مجلس الاتحاد الأوروبي أصدر بالفعل تعليماته إلى المفوضية الأوروبية بتنسيق حرب أوروبا ضد فيروس كورونا.

وفي غضون أيام، جَـمَّـعَـت المفوضية قائمة بالمعدات الأساسية التي كان المتوفر منها في أوروبا ناقصاً، من معدات الوقاية إلى وحدات العناية المركزة، وقدمت الطلبات إلى الشركات المصنعة. كما عقدت لجنة Cov-Comm، وهي لجنة مُـشَـكَّـلة من كبار علماء الأوبئة وممثلين لأنظمة الصحة العامة في الاتحاد الأوروبي لتقديم الإرشادات اليومية. وبعد تحررها من الاحتياج إلى شراء الإمدادات الأساسية، واكتمال عملها على تحديد استراتيجيات السفر والتباعد الاجتماعي المثلى، ركزت الحكومات الوطنية على تنفيذ خطة الاتحاد الأوروبي العاجلة.

في ذلك الوقت، بعد مرور شهر، كانت الجائحة كشرت عن أنيابها في شمال إيطاليا، وبدأت شاحنات محملة بمعدات الوقاية، وحاويات الأكسجين، ومعدات العناية المركزة، بل وحتى الأطباء والعاملين بالتمريض، تتوافد من مختلف أنحاء أوروبا، بتنسيق من بروكسل. وبينما كان البرلمان الأوروبي يناقش النقاط الأكثر دقة في ما يتصل بإيجاد التوازن بين الحريات المدنية والصحة العامة، واصلت المفوضية، بالتعاون مع الحكومات الوطنية، تحديد احتياجات أنظمة الرعاية الصحية في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي.

في مارس، أوصت لجنة Cov-Comm بالإغلاق، في ظل قواعد متباينة من منطقة إلى أخرى. وأيد المجلس الأوروبي خطة المفوضية لتقديم خدمة الحجر الصحي، على أن تُـراجَـع يومياً. مع دخول الأوروبيين الحجر الصحي، بدأ إنشاء شبكة من مراكز الاختبار الشامل في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. وكان المفترض أن تتيح الاختبارات المنتظمة في كل حي، وبالقرب من كل مدرسة، وعند أو بالقرب من كل محل عمل، الخروج المنسق الآمن من الإغلاق الأفقي. كان إبريل الشهر الأشد قسوة، حيث ارتفع عدد الإصابات، لكن المستشفيات تمكنت من إدارة الأمور على نحو طيب على الأقل.

في ظل عمليات الإغلاق التي ضربت كل من الاستهلاك والإنتاج، دخلت اقتصادات أوروبا أسوأ حالة ركود في الذاكرة الحية. على عكس أزمة اليورو التي اندلعت قبل عقد من الزمن، أعاقت الجائحة النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء أوروبا. وقد ساعد وجود عدو مشترك، إلى جانب روح التضامن في الرعاية الصحية، على توليد نموذج جديد سرعان ما تغلغل في الدوائر الرسمية. وكانت النتيجة صدور قرار رائد نال موافقة مجموعة وزراء المالية الأوروبية ثم المجلس الأوروبي في أوائل مايو. وعلى الفور جرى إطلاق برنامج «أوروبا الجيل التالي».

الواقع أن ركائز أربعاً جعلت من برنامج «أوروبا الجيل التالي» مقدمة لتوحيد أوروبا على النحو اللائق. وكانت هناك آلية مشتركة لاستيعاب الارتفاع الحتمي في الدين العام مع كفاح الدول لدعم الأعمال التجارية وتشغيل العمالة. والآن سيتولى صندوق صحي مركزي تغطية تكاليف مكافحة «كوفيد 19»، بما في ذلك شراء اللقاحات.

لبناء ركائز «أوروبا الجيل التالي»، كان لزاما على قادة الاتحاد الأوروبي أن يعملوا على إزالة العقبة التي أعاقتهم خلال جميع الأزمات السابقة عن طريق الاتفاق على كيفية تحفيز حكومة فيدرالية دون انتهاك نصوص قوانين ومعاهدات الاتحاد الأوروبي. وكان الحل الذي تحول نحوه مشروع «أوروبا الجيل التالي» بارعاً.

فعل قادة أوروبا هذا على وجه التحديد. فلاستيعاب الارتفاع الحتمي في الدين العام، سيجري تمويل عجز الميزانية الأولية لدى جميع البلدان الأعضاء (بعد خصم مدفوعات الديون) بواسطة سندات مدتها ثلاثين عاماً يصدرها البنك المركزي الأوروبي.

الآن بدأت تظهر حلول من «أوروبا الجيل التالي» لمشاكل أخرى.. ثم هناك برنامج الضخ النقدي في إطار «أوروبا الجيل التالي»، وهو ما يعادل الشيكات الحكومية الفيدرالية التي تلقتها الأسر الأمريكية أثناء الجائحة.

واكتشف قادة الاتحاد الأوروبي أن لا شيء في ميثاق البنك المركزي الأوروبي، أو في معاهدة الاتحاد الأوروبي، يمنع البنك من تقييد 2000 يورو (2350 دولاراً أمريكياً) لحساب كل بالغ أوروبي في حساب مصرفي أولي، بتكلفة إجمالية لا تتجاوز 750 مليار يورو. ومع تلقي كل أوروبي، سواء كان ألمانيا أو يونانيا، هولنديا أو برتغاليا، ذات المبلغ، لم يُـنـتَـهَك قَـط الحظر الوارد في معاهدات الاتحاد الأوروبي والذي يمنع التحويلات المالية وعمليات إنقاذ أي بلد عضو بواسطة بلد عضو آخر.

أخيراً أصدر برنامج «أوروبا الجيل التالي» توجيهاته إلى بنك الاستثمار الأوروبي لإصدار سندات تعادل تقريباً %5 من إجمالي دخل أوروبا، والتي سيدعمها أيضاً البنك المركزي الأوروبي في أسواق السندات. وقد مَـوَّلَ هذا وكالة الأعمال الخضراء الأوروبية الجديدة لتطوير اتحاد الطاقة الخضراء في الاتحاد الأوروبي، وبشكل أكثر عموما، لتمويل الصفقة الجديدة الخضراء في أوروبا.

في حين تراوحت معدلات الإصابة بين الارتفاع والانخفاض، نجح طرح برنامج التطعيم في أوروبا بشكل منسق بحلول ديسمبر 2020 في وقف انتشار الفيروس. واحتفل الأوروبيون بقدوم عام 2021 بتوقعات ملموسة للرخاء الأخضر المشترك. من ناحية أخرى، تحسنت مكانة أوروبا العالمية، بما في ذلك في بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وقد لعبت شحنات اللقاحات التي تبرع بها الاتحاد الأوروبي دوراً ملموساً، لكنه ليس بحجم إثبات أوروبا سيادة الوحدة والتضامن في مختلف أنحاء قارتنا أخيراً.

... كل ما سبق كان من الممكن أن يحدث، لكن لم يحدث أي منه.

وربما يكون فهم السبب وراء ذلك باعثاً على الكآبة والشعور بالإحباط، أو قد يكون، إذا اخترنا ذلك، نقطة انطلاق إلى التغيير.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وزعيم حزب MeRA25، وأستاذ علوم الاقتصاد في جامعة أثينا.

طباعة Email