إعادة بناء أمريكا للمرة الثالثة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

أمريكا أمة واحدة تحتوي ثقافتين. جلبت الثقافة الأولى العبودية، والإبادة الجماعية للأمريكيين الأصليين، وقوانين «جيم كرو» التي فرضت سيادة ذوي البشرة البيضاء، وبلطجة وكذب وقسوة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي بلغت ذروتها في تمرد السادس من يناير الذي شهده مبنى الكونغرس الأمريكي في كابيتول هِـل. وجلبت الثقافة الثانية تحرير العبيد، وحركة الحقوق المدنية، والرئيس باراك أوباما، والآن انتخاب جو بايدن.

كانت ثقافة تفوق ذوي البشرة البيضاء ــ التي تعتنقها قِـلة متزايدة الانكماش من الأمريكيين ــ تؤسس قوتها دائماً على العنف وقمع الناخبين. لهذا السبب، تُـعَـد المعركة الحالية حول حقوق التصويت معركة من أجل مستقبل أمريكا.

الآن، تدور رُحى المعركة بين الثقافتين في مختلف أنحاء البلاد وفي واشنطن العاصمة. دَفَـعَ فوز بايدن المتعصبين لتفوق ذوي البشرة البيضاء إلى مضاعفة جهودهم في قمع الناخبين. الواقع أن الحزب الجمهوري يعلم أنه لا يستطيع الإمساك بزمام السلطة الوطنية في تصويت عادل.

وعلى هذا فإن المجالس التشريعية في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون تسعى الآن إلى فرض قيود جديدة على مشاركة الناخبين في التصويت والتي تستهدف المواطنين من غير ذوي البشرة البيضاء.

في واشنطن، من ناحية أخرى، تدفع الثقافة الشاملة في الكونغرس ببعض من أهم إصلاحات حقوق التصويت منذ ستينيات القرن العشرين، والتي تهدف إلى ضمان تمكين كل الأمريكيين من الوصول إلى صناديق الاقتراع.

استخدم أنصار التفوق الأبيض أداة قمع الناخبين لفترة طويلة في أمريكا. وقد روى وليام إدوارد بورجارت دو بويز القصة بشكل نابض بالحياة في كتابه بعنوان «إعادة البناء الأسود»، الذي نُـشر في عام 1935.

يَـصِـف دو بويز بعبارات موجعة وشاملة كيف حارب الأمريكيون من أصل أفريقي ببطولة من أجل حريتهم في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، وكيف ناضلوا ــ من خلال التعليم والعمل الجاد ــ من أجل التحرر الكامل كمواطنين في سنوات إعادة البناء (1865-1877). لكن هذا التحرر قـوطِـع بقسوة بسبب عنف الجنوبيين من ذوي البشرة البيضاء وإرهابهم، فضلاً عن عدم المبالاة أو العنصرية من جانب العديد من ذوي البشرة البيضاء الشماليين. كان قمع أصوات الأمريكيين من أصل أفريقي في جوهر نظام جيم كرو بعد إعادة البناء، في انتهاك صارخ للدستور.

ثم أفضت حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن العشرين إلى ظهور ما يعرف باسم «إعادة البناء الثانية»، التي كانت تهدف مرة أخرى إلى إعادة بناء الديمقراطية الأمريكية من خلال إنهاء نظام جيم كرو. لكن التطورات البطولية، بما في ذلك قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، استفزت ردود فعل عنصرية أخرى. عندما قاوم الديمقراطيون الشماليون في الكونغرس الأمريكي معارضة الديمقراطيين الجنوبيين من أنصار الفصل العنصري لإقرار التشريع، انقسم الحزب الديمقراطي إلى طائفتين، وتبنى الحزب الجمهوري بقيادة ريتشارد نيكسون «الاستراتيجية الجنوبية» السيئة السمعة لكسب أصوات العنصريين من ذوي البشرة البيضاء في انتخابات 1968.

الواقع أن الجنوبيين من ذوي البشرة البيضاء تحولوا من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري زُرافات ووحداناً، في حين ظلت العنصرية بذاتها قائمة. ثم أتت في أعقاب الاستراتيجية الجنوبية تكتيكات جديدة لقمع الناخبين جماعياً، والتي اعتمدت هذه المرة بشكل كبير على الاحتجاز الجماعي للملونين بسبب مخالفات بسيطة، أو في كثير من الأحيان دون أي مخالفة حقيقية على الإطلاق، وبالتالي إبعاد أصواتهم ــ مدى الحياة غالباً.

لكن تشبث المتعصبين من ذوي البشرة البيضاء بالقوة الأمريكية أصبح في تراجع طويل الأمد. ويثبت هذه الحقيقة انتخاب باراك أوباما في عام 2008 وإعادة انتخابه في عام 2012، وانتخاب نائبة الرئيس كامالا هاريس في عام 2020 ــ هي أول امرأة أو شخصية من ذوي البشرة الملونة تشغل هذا المنصب. في الرد على ذلك، حاول ترامب بوقاحة الاحتفاظ بالسلطة من خلال تخريب نتيجة الانتخابات، أولاً بمحاولة إقناع المسؤولين الجمهوريين على مستوى الولايات بتزوير نتائج فرز الأصوات الانتخابية، ثم بمحاولة منع الكونغرس من التصديق على النتائج.

كما يوثق بدقة مركز برينان للعدالة التابع لكلية الحقوق في جامعة نيويورك، أدت هزيمة ترامب إلى ظهور موجة من مشاريع قوانين قمع الناخبين ــ أكثر من 250 مشروع قانون في 43 ولاية ــ التي تقدم بها مشرعون جمهوريون. يلخص مركز برينان الأمر على النحو التالي: «إن مشاريع القوانين المقترحة هذه من شأنها أن تزيد من صعوبة التصويت، وهي تستهدف الناخبين من ذوي البشرة الملونة، وتركز على ذات التغييرات الانتخابية ــ مثل التصويت عبر البريد ــ التي جعلت انتخابات 2020، التي أجريت أثناء الجائحة، ليست ناجحة وحسب، بل وأيضاً في حكم الممكن».

وصف بايدن بحق القانون الجديد الذي أقرته الهيئة التشريعية التي يسيطر عليها الجمهوريون في ولاية جورجيا لتقييد التصويت في الولاية على أنه حالة واضحة من بقايا «نظام جيم كرو في القرن الحادي والعشرين».

وهكذا، بعد 160 عاماً بالضبط من انفصال ولايات الرقيق الجنوبية للإبقاء على العبودية وتفوق العرق الأبيض وتوسيع نطاقهما، تجد الولايات المتحدة ذاتها الآن وسط عملية إعادة البناء الثالثة. كانت الأولى لازمة لإنهاء العبودية؛ والثانية لإنهاء سياسة التمييز العنصري الأمريكية؛ والثالثة لإنهاء قمع الناخبين والحبس الجماعي. (أَلَّـفَ أحد قادة عملية إعادة البناء الثالثة، القس وليام جيه. بارنر الثاني كتاباً يحمل المسمى ذاته والذي يصف التحديات بشكل واضح نابض بالحياة).

الواقع أن العنصرية الأمريكية لن تستسلم بسهولة، لكنها تحتضر. فقد أقر مجلس النواب الأمريكي تشريع حقوق التصويت والإصلاح السياسي الأكثر أهمية منذ قانون حقوق التصويت، وأرسله للتو إلى مجلس الشيوخ.

هذا التشريع من شأنه أن يخلق معايير وطنية لتسهيل عمليات تسجيل الناخبين والتصويت، بما في ذلك التصويت المبكر والتصويت عن طريق البريد؛ وفرض القوانين الفيدرالية ضد التمييز بين الناخبين؛ وإعادة حقوق التصويت في الانتخابات الفيدرالية للمجرمين المدانين الذين خرجوا من السجن. كما يقضي التشريع باتخاذ خطوات مهمة عدة لإصلاح تمويل الحملات الانتخابية.

قريباً، سيناقش مجلس الشيوخ هذا التشريع، وسوف يحاول أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين يمثلون التعصب الأبيض قتله في مهده من خلال المماطلة، التي تشترط فوز أي مشروع قانون بستين صوتاً بدلاً من الأغلبية البسيطة (51 صوتاً).

وهذا هو التكتيك ذاته الذي استخدمه أنصار الفصل العنصري لإحباط مشاريع قوانين الحقوق المدنية حتى الستينيات، والذين حاولوا دون جدوى استخدامه في الستينيات. ومن المرجح أن تفشل محاولاتهم مرة أخرى.

لا شك أن الديمقراطيين، في سعيهم إلى دفن نعرة التفوق الأبيض إلى الأبد، لن يقفوا مكتوفي الأيدي بينما يحاول العنصريون مرة أخرى قمع أصوات أصحاب البشرة الملونة. وسوف يغير مجلس الشيوخ في الأرجح القواعد لمنع تعطيل هذا التشريع الحاسم من أجل ضمان التصويت العادل لجميع الأمريكيين أخيراً ــ بعد أكثر من 230 عاماً من تبني دستور الولايات المتحدة.

* أستاذ في جامعة كولومبيا، ومدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، ورئيس شبكة الأمم المتحدة لحلول التنمية المستدامة.

طباعة Email