أزمة الحرية الأكاديمية في الغرب

ليفيو ماتي - عميد الجامعة الأوروبية المركزية ومدير المرصد العالمي للحرية الأكاديمي

تلوح أزمة حرية أكاديمية في أفق أوروبا، عادة، عندما تتعرض الحرية الأكاديمية للهجوم في الغرب، يفترض الناس أنها قضية هامشية، تنحصر في بلدان مثل هنغاريا، التي أصبحت سلطوية بشكل متزايد، ولكن لو نظرنا للموضوع بأمانة، سنجد أن المشكلة منتشرة بشكل أوسع بكثير مما يود الأوروبيون والأمريكيون الاعتراف به.

صحيح أن الأمور سيئة في هنغاريا، وهي بلد من بلدان الاتحاد الأوروبي، التي رفعت فيها الحماية الدستورية عن الحرية الأكاديمية، كما تم فيها تعيين عقيد جيش سابق، كرئيس لجامعة بودابست لفنون المسرح والسينما، ولكن لو نظرنا إلى فرنسا، لوجدنا أن فريدريك فيدال وزيرة التعليم العالي والأبحاث والابتكار، قد اتهمت الجامعات في فرنسا، بالترويج لاتجاهات معينة، كما أطلقت تحقيقاً في كامل المجال الأكاديمي المتعلق بدراسات ما بعد الحقبة الاستعمارية.

والتهديد لا ينحصر بالاتحاد الأوروبي، ففي كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، واللتين تحملان منذ زمن طويل راية الحرية الأكاديمية، يبدو أن المشرِّعين يرغبون في التضامن مع النظام غير الليبرالي في هنغاريا. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فتقوم المجالس التشريعية على مستوى الولايات، والتي يتحكم بها الجمهوريون، بصياغة مشاريع قوانين، لمنع تدريس «النظرية النقدية المتعلقة بالعِرق» في المدارس العامة.

أما في المملكة المتحدة، فتقدمت الحكومة أخيراً، بورقة تضم سياساتها وأفكارها بعنوان «التعليم العالي: حرية التعبير والحرية الأكاديمية»، حيث يبدو أن تلك الورقة تدعو لفرض قيود جذرية على الحرية الأكاديمية في الجامعات البريطانية، وفي بادرة تذكرنا بأورويل، ترغب الحكومة في تنصيب «مدافع ونصير لحرية التعبير والحرية الأكاديمية في مكتب الطلاب، وبينما من غير المرجح أن يذهب رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى حد تعيين ضابط عسكري سابق في هذا المنصب، إلا أنه من المؤكد أنه سوف يختار شخصاً يتمتع بمؤهلات حزبية قوية».

إن أزمة الحرية الأكاديمية، هي إلى حد ما، أزمة سياسية وتنظيمية، تتضمن تهديدات وقيوداً قانونية على الأبحاث والتعليم، وهي في جوهرها هجوم ضد المفهوم الأساسي للمعرفة كمنفعة عامة، وإن كانت مخفية بشكل أكبر مما نراه في بلدان، مثل تركيا أو روسيا، ولكن هناك أيضاً بُعد فكري للأزمة، بسبب غياب المفهوم المشترك لكيفية جعل الحرية الأكاديمية، تتوافق مع عالمنا المعاصر.

إن الحرية الأكاديمية تحدٍ عالمي، ولكن أوروبا لديها مشكلة محددة معها، ففي أوروبا، حدثت نقلة نوعية في التعليم العالي، وذلك من خلال إنشاء منطقة التعليم العالي الأوروبية، وهي عملية بدأت سنة 1999.

منطقة التعليم العالي الأوروبية هذه، تضم حالياً 49 بلداً، خلقت مساحة مشتركة للتعليم العالي، وبنماذج ومقاييس مشتركة، وتبادل مكثف وأحكام وقواعد ومؤسسات مشتركة، تتجاوز السلطات على مستوى الدول والتقاليد الأكاديمية. وهكذا، فإن أزمة الحرية الأكاديمية، تتطلب مقاومة فكرية، تبدأ ببذل الجهود لتطوير فهم مشترك ومعاصر لذلك المفهوم في أوروبا، وهنا، يستطيع الأكاديميون العمل بنجاح مع حلفائهم في البرلمان الأوروبي، والذي دعم بشكل قوي، الجامعة الأوروبية المركزية، في صراعها مع نظام رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، وحرية البحث والتعليم بشكل عام.

السؤال بالطبع، كيف سيبدو المفهوم الأوروبي للحرية الأكاديمية. هل يمكننا استلهام التقليد الأوروبي للمعرفة العقلانية المصابة «بعمى الألوان»، أم أننا بحاجة إلى تصورات جديدة أكثر تعقيداً؟ بعد تأخير طويل، توجد حالياً مبادرات لاستكشاف مثل تلك الأسئلة.

 

 

طباعة Email