فوضى سببها محاكم

نينا ل. خروتشيفا - أستاذة الشؤون الدولية في جامعة نيو سكول، وأحدث مؤلفاتها (بالمشاركة مع جيفري تايلر).

في القضية السيئة السمعة، دريد سكوت ضد ساندفورد في عام 1857، قضى رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة روجر تاني بأن الأمريكيين من أصل أفريقي ليسوا مواطنين أمريكيين ومن غير الممكن أن يصبحوا مواطنين أمريكيين، وأن تسوية ميسوري لعام 1820 ـ التي أوجدت توازناً (غير مستقر باعتراف الجميع) بين الولايات التي تبيح الرق والولايات التي حررت العبيد ـ غير دستورية. يرى كثيرون أن هذا الحكم كان الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية. ويبدو أن المحكمة العليا الأمريكية لم تتعلم من أخطائها.

لم تكن قدرة المحكمة على إرباك أو تعطيل السياسة واضحة بهذا القدر دائماً. في عام 1832، عندما قضى رئيس المحكمة العليا جون مارشال بأن التشريع الذي استنته ولاية جورجيا والذي قضى بالسماح بالاستيلاء على أراضي الشيروكي انتهك معاهدات فيدرالية، وَرَدَ أن الرئيس أندرو جاكسون أعرب عن غضبه في الرد على هذا قائلاً: «أصدر جون مارشال قراره؛ والآن دعه ينفذ هذا القرار». الواقع أن جاكسون ربما لم يقل هذا، لكنه شَـرَعَ هو وولاية جورجيا في تجاهل الحكم.

مع ذلك، ربما كان ما فعله القضاة على مستوى العالم أشبه بما قد يفعله أي فريق من الثوار لتعطيل الأنظمة السياسية ـ وهم في هذه العملية يقوضون قضية العدالة بدلاً من النهوض بها. كان قرار الإدانة الصادر في حق القائد العسكري ألفريد درايفوس، بعد اتهامات التجسس الملفقة التي وجهت إليه، سبباً في انقسام فرنسا لجيل كامل، مما أدى إلى إضعاف البلاد بشدة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

في عام 1922، تسببت المحاكمة التي حرضت على العصيان في ترسيخ مكانة المهاتما غاندي زعيماً لحركة الاستقلال في الهند، في حين فضحت العدالة البريطانية على أنها صورية زائفة. وفي سبعينيات القرن العشرين، أدى اعتقال (ثم قتل) ستيف بيكو، مؤسس حركة الوعي الأسود في جنوب أفريقيا، إلى زيادة الوعي العالمي بإجرام نظام الفصل العنصري، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى فرض عقوبات دولية على النظام.

من الواضح أن أنظمة كثيرة في عالمنا الراهن تعاني غالباً عندما تُـفـضَـح على أنها أدوات للتوسع الاستبدادي. لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تستطيع السلطة القضائية من خلالها تقويض النظام السياسي. فالمحاكم قادرة أيضاً على إصدار الأحكام بطرق تقوض الديمقراطية.

هذا ما كان يحدث في الولايات المتحدة طوال القسم الأعظم من عقدين من الزمن. فمن خلال رفض إنهاء التلاعب الانتخابي، ساعد رئيس المحكمة العليا جون جي. روبرتس الابن بشكل مباشر على ترسيخ الحزبية المفرطة المسببة للشلل والتي بلغت الحضيض خلال رئاسة دونالد ترامب.

ومن خلال إفراغ قانون حقوق التصويت لعام 1965 من مضمونه في قضية مقاطعة شيلبي ضد هولدر، عمل روبرتس على تسهيل التكتيكات العنصرية لقمع الناخبين المعمول بها الآن في العديد من الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون.

بطبيعة الحال، لم ينفرد روبرتس بإصدار أحكام متهورة. فقد عمل الحكم الصادر في قضية مقاطعة كولومبيا ضد هيلر في عام 2008، الذي خطه بيده القاضي الراحل أنطونين سكاليا، على ترسيخ الحق الفردي في امتلاك الأسلحة النارية لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة.

لم تكن حجة سكاليا مقنعة بأي حال. بل إنها في حقيقة الأمر تجاهلت تماماً النصف الأول من التعديل الثاني، الذي ينص على أن «حق الشعب في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها» ينطبق فقط في سياق «ميليشيا جيدة التنظيم».

على حد تعبير الفقيه القانوني المحافظ العظيم ريتشارد بوزنر، كان الحكم محاولة خداعية بنيت على أصالة زائفة. وكانت عواقبه وخيمة. في هذا الشهر فقط، شهدت الولايات المتحدة حالتين من إطلاق النار على حشود في أقل من أسبوع.

لا يعني أي من هذا أن المراجعة القضائية للتشريعات أو سياسة الحكومة مناهضة للديمقراطية في جوهرها. إن النموذج الديمقراطي لاستقلال القضاء لا يستبعد المساءلة. يُـقال إن روبرتس شديد الاهتمام بالتاريخ ويشعر بالقلق إزاء مكانته فيه. وما لم يبدأ هو وزملاؤه النظر في العواقب المترتبة على أحكامهم في العالم الحقيقي، فيكاد يكون من المؤكد أن التاريخ سيذكره في صحبة تاني، وليس مارشال.

 

 

طباعة Email