الوقاية والابتكار في مواجهة الجائحة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

نظراً لما اكتسبه طرح لقاح «كوفيد 19» من زخم، أصبح لدى قادة العالم فرصة للتركيز أكثر على مستقبل الصحة العامة. وسواء على المستوى المحلي أو من خلال المنظمات متعددة الأطراف؛ مثل مجموعة العشرين، ومجموعة الدول السبع، ومجموعة الـ77، يجب أن يكون الهدف هو تعزيز الهياكل التي أثبتت أنها ضرورية للغاية في إدارة الوباء.

لقد أسفر تجاهل الانعزال البيروقراطي والقطاعي التقليدي عن نتائج باهرة ينبغي أن تحفزنا على رفع طموحاتنا فيما يتعلق بالصحة العامة العالمية. إن ضمان الوصول الشامل، والعادل، والميسور التكلفة إلى رعاية صحية جيدة، أمر بالغ الأهمية لتحقيق الازدهار على المدى الطويل. ولكن المنظمات الصحية اليوم لا تستطيع بمفردها إنتاج الأدوات الرقمية والاقتصادية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. إذ تنشأ العديد من هذه الأدوات خارج قطاع الصحة، وتتطلب التمويل والابتكار والدراية من مجموعة واسعة من المصادر من أجل استخدامها بصورة فعالة.

وهذا هو السبب في كوننا نحن الثلاثة نعمل، الآن، مع مجموعة واسعة من الشركاء للاستفادة من الزخم التعاوني الناتج عن الوباء. والمهمة العاجلة هي تحديد أفكار وحلول محددة ينبغي تنفيذها على الفور كجزء من خطة التعافي من الأزمة.

ويتمحور معظم تركيزنا على التكنولوجيا. إذ تتيح لنا الأدوات الرقمية والتحليلية الجديدة القوية الآن التعرف على حالات الطوارئ الصحية، وإدارتها، والتعافي منها بصورة أسرع من أي وقت مضى. صحيح أن مثل هذه الأدوات غالباً ما تواجه عقبات اجتماعية وثقافية، مثل انعدام الثقة بين مالكي البيانات العامة والمملوكة، أو بين المؤسسات الحكومية والأكاديمية والتجارية.

نعلم من خلال أزمات (الإيبولا) و(زيكا) و(كوفيد 19) الأخيرة أن بعض المؤشرات لديها قوة تنبؤية أكثر من غيرها. ومن خلال مراقبة مياه المجاري، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو بيانات التنقل، أو التقارير المستمدة من الحشود، يمكننا تحديد التهديدات بصورة أسرع بكثير من النظام التقليدي لمراقبة الأحياء الدقيقة. (بل إن بعض المجموعات بصدد البحث في ما إذا كان ممكناً أن يكون لبيانات فحوصات تعداد الدم الروتينية إمكانات تنبؤية).

وهذه الأدوات الرقمية الجديدة رخيصة الثمن نسبياً وسهلة الاستخدام ومناسبة تماماً لحماية البيانات الشخصية أو إخفاء صاحبها. ولكن ستكون هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار لتوسيع استيعابها العالمي قبل ظهور الجائحة المحتملة التالية.

وكما يفعل المستثمرون من القطاع الخاص، ينبغي على أولئك الذين يتخذون قرارات الاستثمار العام أن يبحثوا عن فرص لتوليد مدخرات طويلة الأجل كوسيلة لزيادة العوائد. إذ يدرك الجميع أن الاستثمارات العامة في البنية التحتية، أو اكتساب المهارات ضرورية لتعزيز الإنتاجية على المدى الطويل.

وفي الواقع، يقلل نظام الرعاية الصحية في كل بلد متقدم من قيمة أدوات التشخيص وتقييم المخاطر، ويقلل من تكلفتها. إذ في الـ40 مليار دولار التي ينفقها العالم على المساعدة الإنمائية للصحة كل عام، يخصص ما قيمته 374 مليون دولار فقط للتأهب لمواجهة الأوبئة. ومع ذلك، من خلال استثمار المزيد من المبالغ من أجل الوقاية اليوم، يمكننا تجنب تكاليف أكبر بكثير في المستقبل.

ويجب أن يكون التمويل المستدام للسلع العامة العالمية مثل اللقاحات، والتشخيصات، والصرف الصحي، والمراقبة، وأدوات النمذجة أحد موروثات السياسة العامة للوباء. فالفوائد من هذه الاستثمارات تتجاوز بكثير التكاليف الفردية. وهي تمثل استثماراً رأسمالياً في الصحة من شأنه أن يحقق مكاسب إنتاجية بعيدة المدى على المدى الطويل.

وسيتطلب التغيير الحقيقي إصلاحات حقيقية لتضمين منطق الاستثمار هذا في كل عمليات الإنفاق على الصحة.

وعلى المستوى الدولي، يجب على الحكومات اتباع نموذج مجلس الاستقرار المالي لما بعد عام 2008، وإطلاق مجلس استقرار السلع العامة للتركيز على الصحة العامة العالمية وتغير المناخ، وتوجيه المزيد من التمويل نحو الأصول التي تعزز المرونة والازدهار الطويل الأجل. وأخيراً، حان الوقت لتحديث بنود اتفاقية صندوق النقد الدولي لجعل الصحة جزءاً أساسياً من وظيفة المراقبة الاقتصادية الروتينية للمنظمة.

إننا نتابع هذه الأفكار داخل منظماتنا، وندعو الآخرين لفعل الشيء نفسه. وفي النهاية، ستأتي الحلول الصحيحة من المبتكرين على نطاق واسع. وكلما زاد عدد العقول التي يمكننا إدخالها في هذا المزيج، كانت فرصنا في منع الأزمة التالية أفضل.

* حاصلة على ماجستير من كلية ترينيتي بكامبريدج ورئيسة تحدي ترينيتي.

** مدير «ويلكام تراست»، ومستشار الفريق المستقل رفيع المستوى المعني بتمويل منظمة Global Commons من أجل الاستعداد لمواجهة الأوبئة والاستجابة لها.

طباعة Email