سلطة العفو الرئاسي

ترك لنا دونالد ترامب أسوأ تصرفاته ضد الديمقراطية الأمريكية والرئاسة الأمريكية حتى نهاية فترة ولايته الوحيدة في المنصب تقريباً، عندما رفض الاعتراف بفوز خصمه في الانتخابات واستدعى حشداً من الغوغاء لاجتياح مبنى الكونغرس الأمريكي في كابيتول هِـل. لكن فعلته الأخيرة ــ استغلال سلطة العفو الرئاسي دون قيد أو شرط ــ لم تكن أقل فظاعة وسفوراً. الواقع أن ترامب، الذي وزع صكوك العفو بأوامر تنفيذية بكل حبور وابتهاج على أكثر من 140 شخصاً في آخر 12 ساعة قضاها في منصبه كرئيس ــ بما في ذلك ستيف بانون، كبير الخبراء الاستراتيجيين الذي تحول إلى محتال ــ باء بالفشل والخيبة في جهوده الرامية إلى إلغاء نتيجة الانتخابات، وهو ما تجلى بوضوح في هذا الامتياز الملكي الأخير.

من الغريب أن يمتلك الرؤساء مثل هذه السلطة غير القابلة للمساءلة على الإطلاق. لقد رَفَـضَ مؤسسو أمريكا الملكية المطلقة وزخارفها (مثل ألقاب النبالة)، ومع ذلك فإن سلطة العفو تنحدر من مثل هذه السلطة الملكية على وجه التحديد، امتياز الرحمة الملكي.

في هيئته الأصلية، أعطى هذا الامتياز ملوك بريطانيا سلطة تكاد تكون غير مقيدة في العفو عن المدانين بارتكاب جرائم. ومثله كمثل العفو الرئاسي، لم يكن العفو الملكي يبرئ المذنبين بشكل كامل من خلال محو إدانتهم، لكنه كان ينقذهم من أسوأ عواقبها ــ في أغلب الأحيان حكم الإعدام. نظرياً، كان امتياز العفو أداة حميدة لتصحيح الظلم وإبراز الإحسان الملكي؛ غير أنه في حقيقة الأمر كان دوماً ملائماً لإساءة الاستخدام.

نظراً لإدراك مؤسسي أمريكا هذا الخطر، فإن رفضهم وضع ضوابط أكثر فاعلية على السلطة التنفيذية يبدو ساذجاً. كانوا على يقين من أن إعطاء الكونغرس سلطة عزل الرئيس من شأنه أن يخدم «كضمانة عظيمة»، على حد تعبر جيمس مونرو. لكن مونرو لم يكن يتصور أن أعضاء مجلس الشيوخ من الممكن أن يقعوا أسرى لزعماء الدهماء أو يربطوا أنفسهم بولاءات حزبية قَـبَـلية، كما فعلت الغالبية العظمى من الجمهوريين في محاكمتي عزل ترامب.

للمواءمة بين سلطة العفو وغرضها الأصلي، ينبغي للأمريكيين أن ينظروا في الكيفية التي تخلصت بها محاكم المملكة المتحدة ببطء من استخدام السلطة التنفيذية لمعظم، إن لم يكن كل، صلاحيات الامتياز الملكي من خلال إخضاعها لقدر متزايد من التدقيق القضائي.

مع ذلك، في العقود الأخيرة، أصبح القضاء في المملكة المتحدة غير راغب على نحو متزايد في السماح للحكومات بأن تفعل ما تشاء متجاهلة آلام الآخرين ودون أي تدقيق في تصرفاتها على حساب المبادئ الديمقراطية الأساسية من خلال رفع شعار «السياسة العليا». والواقع أن القرار الصادر عن المحكمة العليا في المملكة المتحدة بشأن قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2019، يُـظـهِـر أنه لا يزال متبقياً القليل من هذا الامتياز غير القابل للانتهاك.

في هذه القضية، سُـئِـلَت المحكمة ما إذا كان اقتراح رئيس الوزراء بوريس جونسون بتعطيل البرلمان يتمتع بالشرعية. وبصرف النظر عن حقيقة مفادها أن دعوة البرلمان إلى الانعقاد أو تعطيله سلطة امتياز أصلية، فقد قرر القضاة بالإجماع أن هذا الامتياز يتجاوز «حدود السلطة المشروعة».

يجدر بالمحكمة العليا في الولايات المتحدة ــ التي يميل قضاتها المحافظون إلى تبني «الالتزام بالقصد الأصلي» الذي توخاه المؤسسون ــ أن تتعلم من استعداد القضاء في المملكة المتحدة للإبداع والابتكار في مواجه السلطة التنفيذية ذات الميول الـمَـلَـكية. على وجه الخصوص، يعني استعداد المحكمة العليا في المملكة المتحدة للاعتراف بروح وغرض المبادئ الدستورية، تعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات الجديدة.

كان انتهاك ترامب الصارخ للغرض الأصلي من العفو الرئاسي مجرد تحدٍّ آخر من التحديات العديدة التي فرضها على النظام السياسي الذي أنشأه دستور الولايات المتحدة. ويُـظهِـر جونسون سمات مقلقة بالمثل. وفي مواجهة هذه التهديدات، ينبغي للمحاكم والهيئات التشريعية أن تتذكر غرضها الحقيقي: منع الممارسة الطليقة غير المقيدة للسلطة التنفيذية.

 

* محرر مجلة مراجعة السياسة العامة التابعة لكلية لندن للاقتصاد .

opinion@albayan.ae

طباعة Email