ترتيب أولويات التعافي بعد الجائحة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

كان جون مينارد كينز نصيراً قوياً لخطة الصفقة الجديدة، التي أطلقها الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت، حيث كتب أن الطريق إلى مستقبل متحضر يمر عبر واشنطن، وليس موسكو- في رد مباشر على أولئك المثاليين، بما في ذلك بعض طلابه، الذين وضعوا ثقتهم في الشيوعية، لكن روزفلت لم يسلم رغم ذلك من انتقادات كينز.

على وجه التحديد، أشار كينز إلى خطأ روزفلت في الخلط بين التعافي والإصلاح، فالتعافي من الركود هو الأولوية الأولى؛ أما الإصلاحات الاجتماعية، «حتى الحكيمة والضرورية منها»، فقد تقف عائقاً أمام التعافي، من خلال تدمير الثقة في الأعمال التجارية، وكأنه تنبأ بنقاشات اليوم حول أولويات السياسة الاقتصادية لما بعد الجائحة، دفع كينز بفكرة أن ترتيب تسلسل الأولويات على النحو المناسب هو مفتاح نجاح الصفقة الجديدة.

كان المستشارون في «صندوق أفكار» فرانكلين روزفلت إصلاحيين، وليسوا من أتباع كينز، وكانت لديهم وجهة نظر مختلفة، حيث عزوا الكساد الكبير إلى القوة المفرطة، التي كانت الشركات تتمتع بها، وتصوروا أن الطريق إلى الانتعاش يكمن في إحداث تغيير مؤسسي.

نتيجة لذلك، كان ما يسمى بالتحفيز الكينزي مكوناً ثانوياً في الصفقة الجديدة- معالجة طارئة في انتظار تطوير علاجات أطول أمداً.

قال بول كروجمان، الخبير الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، الشيء ذاته تقريباً عن حزمة التحفيز التي قدمها الرئيس باراك أوباما عام 2009 بقيمة 787 مليار دولار، والتي بلغت 5.5 % من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى أساس مثل هذه الحسابات غير الدقيقة، تبدو خطة الإنقاذ الاقتصادي، التي وضعها الرئيس جو بايدن البالغة 1.9 تريليون دولار، أي ما يعادل 9 % من الناتج المحلي الإجمالي الحالي، مقاربة للصواب.

كان كينز يتحدث عن التحفيز المالي، واشتهر بكونه متشككاً في التحفيز النقدي، الذي حاول تطبيقه كل من الرئيس هربرت هوفر في عام 1932 وروزفلت في عام 1933 والذي يُـشار إليه الآن «بالتدابير النقدية غير التقليدية».. كان الهدف يتمثل في إنعاش الأسعار عن طريق طباعة النقود.

كانت أكثر هذه المخططات إثارة للجدال، وهي موجة شراء الذهب التي قادها روزفلت، مصممة لتعويض الانهيار في أسعار السلع الأساسية.

وكما أوضح فرانكلين روزفلت في إحدى خطابات «أحاديث المدفأة» الشهيرة، فإن ارتفاع أسعار الخنازير يعني ارتفاع أجور القطاعات الزراعية، ومعها القوة الشرائية، لكن في الواقع، فشلت عمليات شراء الذهب الواسعة النطاق من قبل وزارة الخزانة الأمريكية ومؤسسة تمويل إعادة الإعمار في تحريك أسعار الخنازير، أو أي شيء آخر.

كل ما حققه برنامج روزفلت لشراء الذهب هو استبدال اكتناز الذهب باكتناز العملات، ومع ذلك، يعيد الاقتصاديون اختراع العجلة الخطأ باستمرار، حيث جسدت برامج التيسير الكمي في الفترة بين 2009 و2016 النظرية المضللة ذاتها، وفشلت بالمثل في تعزيز مستوى الأسعار.

وانتقد كينز أحكام إدارة الإصلاح الوطني، التي حاولت هندسة التعافي من خلال تعزيز موقف العمالة، فكان يرى أن هذه الطريقة أيضاً خاطئة: حيث تأتي خطوة إرهاق سوق العمل بتكاليف إضافية بعد تأمين طريق التعافي، وليس قبل ذلك، وبينما لم يعترض كينز قَـط على وعد فرانكلين روزفلت بطرد الصيارفة من المعبد، لا بد أنه تساءل عن كيفية تأثير ذلك على ثقة نظام مالي مشلول.

أخيراً، صرح كينز عن قلقه من أن الخلط بين التعافي والإصلاح، من شأنه أن يضع إدارة روزفلت أمام «الكثير مما يستوجب التفكير فيه دفعة واحدة»، ويجب أن تُسجل هذه الملاحظة بمثابة تحذير لأولئك الذين يرون في أزمة اقتصادية فرصة لدفع جميع مخططاتهم المفضلة، بغض النظر عن الاتساق الزمني.

لا شك في أن تأكيد كينز على أهمية تحديد التسلسل المناسب للسياسات كونه أمراً وثيق الصلة بما يحدث اليوم، لكن مع خروجنا من جائحة «كوفيد 19»، يبدو التمييز بين التعافي والإصلاح- وبالتالي بين السياسة الكلية والجزئية، وفي الأمدين القريب والبعيد- أقل وضوحاً مما بدا لكينز (وآخرين) في الثلاثينيات.

بادئ ذي بدء، من الواضح أن سياسة التشغيل الكامل للعمالة ترتبط الآن بقابلية التوظيف، الأمر الذي لم يكن كذلك في الثلاثينيات، فالسبب وراء بطالة كثيرين في ذلك الوقت أن الطلب الكلي لم يكن كافياً.

وهكذا كتب كينز في ديسمبر 1934 أن الغرض من إنفاق الحكومة «مبلغ صغير من المال» هو تشجيع «الأفراد والشركات على إنفاق مبلغ أكبر كثيراً»، أما مصارف هذا الإنفاق فلم تكن مصدر قلق من منظور واضعي السياسات.

في عصر الأتمتة اليوم، لا تستطيع أي حكومة أن تتحمل ترف اتخاذ مثل هذا الموقف المتعجرف تجاه استدامة التوظيف. في الواقع، في وقت مبكر من عام 1930، توقع كينز ظهور البطالة التكنولوجية باعتبارها مشكلة خارج نطاق إدارة الطلب.

في السنوات المقبلة، سيحتاج تطبيق سياسة التوظيف الكامل الكينزية غير المعقدة إلى إفساح المجال ليس فقط لضمان التدريب، ولكن أيضاً لضمان الدخل مع تغير طبيعة العمل وانخفاض كمية العمالة البشرية الضرورية، وبالتالي، قد يكون التوظيف المستدام مختلفا تماماً عما نتصوره الآن عن التشغيل الكامل للعمالة، ثم لدينا مسألة الاستدامة البيئية.

اليوم، يلقي الإصلاح الاقتصادي ظلالاً على التعافي إلى حد أكبر بكثير مما كان عليه الأمر عندما ميَّز كينز بين الاثنين، لكن طريقته في تحديد العلاقة بينهما تمثل نقطة انطلاق واضحة، يمكن من خلالها بناء كليهما على نحو أفضل.

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة واريك.

طباعة Email