التعددية المالية الجديدة

انطلق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى العمل بطرائق لم يكن من الممكن تصورها حتى قبل عام واحد. في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، لم تفعل الولايات المتحدة ــ المساهم الرئيس الذي يملك حق النقض في كل من المؤسستين ــ إلا أقل القليل (إلى جانب إحداث الارتباك من حين إلى آخر) لتشكيل سياسات هاتين المؤسستين. والآن، تأخذ الولايات المتحدة زمام المبادرة في تنسيق دورها ومساعدة البلدان الفقيرة على الاستجابة لأزمة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد - 19).

تتولى وزير الخزانة الأميركية جانيت يلين قيادة هذا النهج. في رسالة موجهة إلى زملائها في مجموعة العشرين الشهر الفائت، كتبت يلين إن أي بلد في العالم لا يستطيع بمفرده «إعلان النصر» على «الأزمات الصحية والاقتصادية المزدوجة» التي أحدثتها الجائحة. وأضافت: «إنها لحظة جُـعِـلَـت للعمل والتعددية».

قد لا تُـعَـد رسالة يلين بداية «لحظة بريتون وودز» جديدة، كما تزعم مديرة صندوق النقد الدولي الإدارية كريستالينا جورجييفا. ولكنها تمثل خروجاً يستحق الترحيب عن تهور ترامب وإهماله. وهي تسعى حقاً إلى العمل الذي عارضته إدارة ترامب: تعزيز مجموعة أدوات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما في ذلك التسهيلات الميسرة التي يقدمها الصندوق، والتخصيص الجديد لأصوله الاحتياطية، وحقوق السحب الخاصة، لزيادة السيولة المتاحة للبلدان منخفضة الدخل.

من المؤكد أن هذه البلدان في احتياج إلى المساعدة، وخاصة أن أزمة كوفيد - 19 أدت إلى تفاقم مواقف الديون في العديد منها بشكل كبير. وقد ابتكرت مجموعة العشرين بالفعل نهجاً يتألف من شقين لمساعدة البلدان المثقلة بالديون. الأول يتمثل بتوفير التخفيف المؤقت للديون ــ حتى شهر يونيو من هذا العام، وإن كان هذا الموعد قابلاً للتمديد ــ من خلال مبادرة تعليق سداد أقساط الديون. ويتمثل الثاني بالخطط الرامية إلى تحسين استدامة الديون من خلال الإطار المشترك لمعالجات الديون.

ولكن هذا الدعم يجب أن يتوسع. وما يدعو إلى التفاؤل أن مجموعة العشرين وافقت على السماح لصندوق النقد الدولي بالعمل على تخصيص جديد لحقوق السحب الخاصة، بعد أن تخلت الولايات المتحدة الآن عن معارضتها لهذا التخصيص.

وأشارت يلين إلى الاستعداد للنظر في حلول محتملة. على سبيل المثال، من الممكن أن توجه بلدان مجموعة العشرين حقوق السحب الخاصة التي لا تحتاج إليها لدعم التعافي الاقتصادي في البلدان منخفضة الدخل. وهذا من شأنه أن يفتح الطريق لإنشاء صناديق تقوم على حقوق السحب الخاصة. إن تخصيص حقوق السحب الخاصة بما يعادل 100% من حصص صندوق النقد الدولي الحالية ــ كما تدعو إيطاليا التي تترأس مجموعة العشرين ــ كفيل بتوليد ما يقرب من 15.2 مليار دولار للبلدان الأكثر فقراً. وهذا أكثر من متوسط الإقراض الميسر السنوي الذي يقدمه صندوق النقد الدولي من خلال صندوق النمو والحد من الفقر (1.25 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة).

علاوة على ذلك، لا ترتبط حقوق السحب الخاصة بشروط. يقودنا هذا إلى المشكلة الواضحة التي يتجاهلها الجميع: كيف تستخدم البلدان حقوق السحب الخاصة؟ هل ينبغي لها أن تسمح باستخدامها، ولنقل، لسداد أقساط الديون الثنائية؟

تتطلب الإجابة عن مثل هذه التساؤلات بذل جهد أوسع لمعالجة الفجوات المتسعة العديدة في النظام المالي الحالي متعدد الأطراف ــ وهي الثغرات التي غالباً ما تركت البلدان المحتاجة مالياً مع أقل القليل من الخيارات الصالحة.

للتصدي لهذه المشكلات، يجب أن تكون الأدوات المالية متعددة الأطراف متاحة للبلدان المحتاجة. النبأ السار هنا هو أن يلين ــ بتركيزها على الحوكمة، والمرونة، والإتاحة ــ تدرك كما يبدو وجود الثغرات التي تعيب البنية المالية الدولية. ولا نملك إلا الأمل بأن تستمر في قيادة الطريق نحو تعددية مالية جديدة تعالج هذه الثغرات.

* أستاذة الاقتصاد الدولي في معهد كوين ماري للسياسة العالمية التابع لجامعة لندن.

طباعة Email