نحو عالم تسوده المساواة

لقد كشفت جائحة «كوفيد 19» عن مجموعة واسعة من التفاوتات، وفاقمتها. وإذا كان القادة جادين في «إعادة البناء بصورة أفضل»، يجب أن يضعوا السياسات للتغلب على المخاطر والعقبات التي تسبب هذا الواقع.

وتتجلى إحدى حالات هذه التفاوتات في الفجوة بين الجنسين. فمنذ أن بدأ الوباء، عانت النساء في كثير من الدول، من فقدان الوظائف بمعدل أعلى من الرجال، لأسباب ليس أقلها أنهن يمثلِن نسباً مفرطة في العديد من الصناعات الأكثر تضرراً، مثل الخدمات الغذائية وتجارة التجزئة.

وفضلاً عن ذلك، أشار المفكرون من الحركة النسائية مثل سيلفيا فيديريتشي، إلى أن عبء العمل المنزلي -الذي تتحمله النساء بالفعل بصورة غير متناسبة مع غيرهن- أصبح أثقل بكثير خلال عمليات الإغلاق بسبب الوباء. وفي الوقت نفسه، عادة ما تكون النساء ضحايا للعنف المنزلي، الذي أصبح أكثر تواتراً وشدة منذ أن بدأ الوباء.

وعلى نطاق أوسع، أدى الوباء إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وشهد عدد قليل من أصحاب المليارات ارتفاعاً هائلاً في ثروتهم خلال العام الماضي، بينما واجه العمال الأقل مهارة خسائر أكبر بكثير في الوظائف والأرباح مقارنة بالعمال ذوي المهارات العالية.

وتمكنت الشريحة العشرية الأعلى دخلاً، التي يتألف جزء كبير منها من العمال الذين تمكنوا من العمل عن بعد أثناء الوباء، من زيادة مدخراتهم، في حين أن العديد من العمال المسَرحين اقترضوا ليظلوا صامدين، ما أدى إلى زيادة عدد الأشخاص المثقلين بالديون، أو الذين لديهم القليل من المدخرات.

وعلى المستوى العالمي، كانت هناك اختلافات شاسعة بين قدرة البلدان المتقدمة والبلدان النامية على الاستجابة لأزمة كوفيد 19. وبينما قد يتم تلقيح سكان البلدان الغنية بالكامل بحلول منتصف عام 2022، فإن أكثر من 85 دولة فقيرة لن تصل إليها اللقاحات على نطاق واسع قبل عام 2023.

وفي هذا السياق، يجب أن يعني «إعادة البناء بصورة أفضل» إنشاء اقتصاد يصلح للجميع، وهو ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي سابقا، باراك أوباما، في عام 2013 «التحدي الحاسم لعصرنا». ولكن المسألة ليست مجرد تمكين أولئك الذين «تخلفوا عن الركب» بسبب العولمة، من خلال توفير المزيد من الموارد للتعليم والتدريب وبناء القدرات. إن هذا «الحل» المعتمد على نطاق واسع يستند إلى افتراضات وردية بشأن النظام العالمي المعاصر، ولكنها معيبة للغاية.

وفي الواقع، تتطلب معالجة أوجه عدم المساواة الحالية تقييمًا أكثر شمولاً -وانتقادات- للقوى النظامية الأساسية. فالتأثير غير المتناسب للوباء على النساء، على سبيل المثال، هو نتيجة مباشرة للقواعد والمعايير الأبوية الراسخة بعمق، والتي تُديم الهياكل المجزأة في المنزل وسوق العمل، وأماكن العمل.

إن المبادرات التي تهدف إلى تمكين المرأة في النظام الحالي -مثل تشجيع ريادة الأعمال النسائية أو ضمان المساواة في الحقوق القانونية- هي بالتأكيد أساسية. ولكن أي شيء قريب من المساواة الحقيقية سيتطلب منا معالجة الآثار الخبيثة لديناميكيات السلطة الأبوية، وهذا يعني تحدي النظام الذي تترسخ فيه، وإصلاحه.

وينطبق الشيء نفسه على سد الفجوات بين الأغنياء والفقراء، داخل البلدان وفيما بينها. وكما جادل الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، جوزيف إي. ستيغليتز، فإن قواعد اللعبة مصممة لتقوية موقف البلدان التي تقبع بالفعل في قمة سلم التنمية، وكبح تلك التي تعرف نمواً أقل. قبل 75 عاماً، أصدر ميثاق الأمم المتحدة نداءً واضحاً للعمل الجماعي لمواجهة التحديات الجديدة التي يفرضها عالم مترابط.

واليوم، أصبح عالمنا مترابطاً أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك فإن ظاهرة عدم المساواة المتفشية تقلل من تقبلنا للعمل الجماعي الذي نحتاجه. ويتطلب عكس هذا الاتجاه معالجة ديناميكيات القوة غير العادلة المضمنة في النظام الاقتصادي العالمي.

لقد قال سيمون دي بوفوار محذراً: «لا تقامروا بالمستقبل، تصرفوا الآن دون تأخير».

* رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، سابقاً، ووزيرة الخارجية والدفاع السابقة في الإكوادور.

 

طباعة Email