الهند وطريق الفوز بسباق التطعيم لردع «كورونا»

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

بينما يدخل العالم العام الثاني لجائحة فيروس كورونا المستجد، أصبح التطعيم في قلب استجابة صناع السياسات.

ولكن بينما يعتبر التطعيم الضمانة الأكبر للخروج من الأزمة فإن الدول تتعامل معه بطرق مختلفة فبعض تلك الدول تسابق الزمن لتطعيم شعوبها بينما تنتظر بلدان أخرى بيانات الفعالية طويلة المدى قبل أن تبدأ. إن هناك بلداناً أخرى تجد نفسها في صف انتظار طويل من أجل استلام أو شراء الجرعات التي تحتاجها بشدة.

لقد لاحظ كثيرون المعدل السريع لحملة التطعيم في إسرائيل وطموح المملكة المتحدة والتي كانت أول بلد يعتمد لقاح «كوفيد 19» للاستخدام الطارئ والمشاكل التي واجهت عملية توزيع الإمدادات في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ولكن بالنسبة لأولئك الذين يسعون لتعلم الدروس المستفادة عن كيفية حماية الشعب من خلال التطعيم فإن هناك بلداً آخر يجب النظر إلى تجربته، وهو الهند.

إن الهند التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة وفيها ما يقدر بنحو 11 مليون إصابة بفيروس كورونا حتى الآن، تواجه ما يبدو أنه تحدٍ ضخم جداً فيما يتعلق بالتطعيم، ولكن الحكومة أعلنت مؤخراً خطة لتطعيم حوالي 300 مليون شخص بحلول بداية أغسطس. وإذا نظرنا إلى استعدادات وأفعال الهند حتى الآن، يبدو أنها مهيأة للتعامل مع هذه المهمة.

إن السبب وراء ذلك هو أن الهند قادرة على التعامل مع تحديات الحجم من خلال قدراتها التصنيعية الهائلة، فهي تتمتع ببنية تحتية قوية في مجال الصحة العامة، مع خبرة في إعطاء اللقاحات، كما يوجد لديها جيش من العاملين في الصفوف الأمامية وتخطيط دقيق جداً. وإذا أضفنا لذلك كله بعض الوسائل الرقمية المبتكرة في التتبع، فإن النتائج قد تضع الهند في وضع تحسد عليه بحلول نهاية هذا العام.

إن العاملين في الصفوف الأمامية ضمن القطاع الصحي هم من اللاعبين الرئيسيين في حملة التطعيم بالهند، وهم أوائل الناس الذين سوف يتلقون اللقاح. وقد بدأت حملة تطعيم حوالي 30 مليوناً من العاملين الصحيين في الصفوف الأمامية وغيرهم في 16 يناير الماضي وخلال أول 34 يوماً نجحت الهند في تطعيم 10 ملايين شخص.

لقد استغرق الأمر 31 يوماً حتى تتمكن الولايات المتحدة من تطعيم نفس العدد من الأشخاص بعد سماحها باستخدام اللقاحات (معدلات حملة التطعيم في الصين لا تزال غير واضحة).

بعد تطعيم العاملين في القطاع الصحي بالهند، سوف يأتي الدور على العاملين في الصفوف الأمامية والأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً - والأشخاص الأصغر سناً الذين يعانون من مشاكل صحية خطيرة -. إن هذا يعني تطعيم 260 مليون شخص إضافي، حيث تخطط الحكومة لتطعيمهم خلال أقل من سبعة أشهر.

تتمتع الهند بالقدرة على تصنيع جميع لقاحات «كوفيد 19» الخاصة بها محلياً. إن المعهد الهندي للأمصال وهو أكبر منتج للقاحات قد عزز من قدراته من أجل تصنيع مليار جرعة من لقاح استرازينكا-أكسفورد (والمعروف محلياً باسم «كوفيشيلد»)، بينما سوف تنتج شركة باهارات بيوتيك لقاح «كوفاكسين» المدعوم حكومياً .

وهذا سيكون كافياً لتطعيم المجموعات ذات الأولوية في البلاد هذا العام ونظراً لإن اللقاحات المنتجة محلياً قد تم تسعيرها لتكون الأرخص في العالم فإن الهند قد قامت بالفعل بتوريد لقاحات بقيمة 47 مليون دولار إلى 13 بلداً.

إن لدى الهند بالفعل أضخم برامج تطعيم مرتبطة بالصحة العامة حيث تستهدف تلك البرامج 27 مليون طفل رضيع و29 مليون امرأة حامل كل سنة، ومنذ أن بدأت الحملة الوطنية لتطعيم الأطفال ضد الحصبة والحصبة الألمانية قبل أربع سنوات، تمكنت عدة ولايات من تحقيق معدلات تغطية تصل إلى أكثر من 90%. ومن المؤكد أن حملة تطعيم «كوفيد 19» هي حملة طموحة ولكن حجمها لا يعتبر مختلفاً بشكل جوهري.

وكما وجدت بعض البلدان - بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية - فإن الأنظمة الحكومية متعددة المستويات يمكن أن تعيق الطرح السريع للقاح إن لم يكن هناك تدفق كافٍ للمعلومات.

وكان هناك نقص في الوضوح فيما يتعلق بسلطة اتخاذ القرار بين تلك المستويات المتخلفة وعدم تحمل للمسؤولية.

لقد تعاملت الهند بشكل استباقي مع تلك المسألة عندما بدأت التخطيط لنشر لقاحات «كوفيد 19» وذلك من خلال تأسيس هيكل حوكمة واضح المعالم بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات والمناطق والمجموعات الإدارية المحلية. إن الأدوار والمسؤوليات لكل مستوى محددة بشكل واضح، مما يسمح باستجابة منسقة على مستوى الوطن.

بالإضافة إلى ذلك تستخدم الهند التقنية من أجل تبسيط عملية التتبع والمساءلة، وخلال وقت قياسي تمكنت السلطات من عمل نظام «كو-وين» المتخصص من أجل تتبع مشتريات إمدادات اللقاح وتوزيعها، والسماح للناس بالتسجيل المسبق من أجل تلقي اللقاح.

على الرغم من أن الآفاق المستقبلية تبدو جيدة، لا يزال يتوجب على الهند التغلب على عقبات كبيرة. فبناء قاعدة بيانات شاملة ودقيقة للأفراد المصابين بأمراض مصاحبة من أجل إعطائهم الأولوية للتطعيم لا يزال يشكل تحدياً كبيراً.

وكما هو الحال في بلدان أخرى، فإنه لا يزال هناك مستويات مقلقة من التردد فيما يتعلق باللقاح. إن أرقام التطعيم في الهند لكوفيد 19 المثيرة للإعجاب في الأسابيع الأولى كان يمكن أن تكون أعلى.

ولكن بعض أفراد الطاقم الطبي كانوا مترددين في تلقي اللقاح، وخاصة أن اللقاح المطور محلياً «كوفاكسين» حصل على تفويض الاستخدام في حالات الطوارئ قبل مراجعة جميع بيانات الاختبارات المتعلقة بفعاليته. وسوف تحتاج الحكومة إلى حملات توعية جيدة لإقناع الناس من كبار السن وأولئك الذين يعانون من مشاكل طبية بأن اللقاحات آمنة.

إن تجربة الهند تقدم على الأقل ثلاثة دروس للبلدان الأخرى. أولاً، يتوجب على البلدان التركيز على جوانب القوة فيها، فليس كل بلد يستطيع تطوير أو تصنيع لقاحات خاصة به، ولكن معظم تلك البلدان يمكنها الاستفادة من العاملين الملتزمين في الصفوف الأمامية أو البنية التحتية المتعلقة بالصحة العامة أو التجارب السابقة في مواجهة الأوبئة أو عمل حملات التطعيم.

ثانياً، يجب تضمين إعطاء الأولوية لتلقي اللقاح وتتبع عملية طرحه في حملة التطعيم منذ البداية وقد يتطلب التعمق في البيانات من أجل تخصيص اللقاحات بشكل أكثر فعالية البناء على أنظمة البيانات الحالية أو استخدام أدوات جديدة مثل مخطط تخصيص لقاحات «كوفيد 19» للولايات المتحدة الأمريكية ومؤشر تغطية اللقاحات.

والذي يسلط الضوء على المناطق الجغرافية التي من المحتمل أن يكون لديها مشاكل في تحقيق مستويات عالية من تغطية لقاح «كوفيد 19» وأسباب ذلك.

أخيراً، إن التردد المتعلق باللقاحات سوف يتطلب استجابة تتناسب مع أوضاع كل بلد، حيث يتوجب على صناع السياسات وخبراء الصحة العامة صياغة استراتيجيات فعالة لطمأنة الناس أن اللقاحات آمنة – وأنها الطريقة الوحيدة للخروج من الجائحة وتحقيق التعافي.

* أستاذة مساعدة في كلية تي اتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد ومؤسس مشارك ورئيس تنفيذي لشركة سيرغو فينتشرز.

* زميل تنفيذي في مركز التنمية الدولية، وهو أستاذ منتسب في جامعة انسياد ومحاضر في كلية الطب في جامعة هارفارد.

 

طباعة Email