إزالة الكربون..بين المفارقات وخطط تعزيز الالتزام الدولي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

تحوي المناقشات بشأن تغير المناخ رسالتين متناقضتين على ما يبدو. إذ تقول إحداهما إنه يكاد يكون مستحيلاً إزالة الكربون كلياً وبالسرعة الكافية للخفض من الاحتباس الحراري إلى ما دون درجتين مئويتين هذا القرن، مقارنة مع مستويات ما قبل الصناعة. وتقول الأخرى إنه، بالنظر إلى ما هو على المحك، فإن إزالة الكربون بهذه السرعة أمر لا مفر منه.

ومن المفارقات أن ما تقوله كلا الرسالتين قد يكون صحيحاً. إذ يعد تحقيق اقتصاد خال من الانبعاثات بحلول عام 2050 ممكناً من الناحية التقنية والاقتصادية باستخدام التقنيات التكنولوجية الحالية والناشئة، لكنها تتطلب تحولات جذرية في السلوك، واتخاذ إجراءات سياسية على نطاق واسع، بما في ذلك درجة من التعاون الدولي التي سيكون من الصعب جداً تحقيقها. فعلى الرغم من أن التقدم التكنولوجي السريع يمكن أن يخفف من صعوبة بعض الحواجز الاجتماعية والسياسية أمام العمل المناخي، لن يوصل هذا الابتكار وحده العالم إلى مستوى صافي الصفر.

إن المهمة شاقة جداً. إذ يقول فريق الأمم المتحدة الحكومي الدولي المعني بالمناخ، إن تحديد سقف الاحترار العالمي في 1.5 درجة مئوية سيتطلب خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 45% مقارنة مع مستويات 2010 بحلول عام 2030، وإلى مستوى صافي الصفر بحلول عام 2050. وسيتطلب القيام بذلك «تحولات سريعة وواسعة النطاق في أنظمة الطاقة والأراضي والمدن والبنية التحتية (بما في ذلك النقل والمباني) والصناعة»، بالإضافة إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون.

إن الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ليس إلا جزءاً من المهمة. والجزء الحاسم منها هو ضرورة أن يخفض العالم إلى حد كبير من انبعاثات الملوثات السريعة الزوال مثل الميثان، حتى يحقق انخفاضاً كبيراً في احترار القطب الشمالي وذوبان الجليد الدائم، اللذين يهددان بإطلاق المزيد من أكسيد النيتروز والميثان.

ورغم أن أكثر من 100 دولة تعهدت بأن تصبح محايدة للكربون بحلول منتصف القرن، استمرت الانبعاثات العالمية في الارتفاع بوتيرة سريعة، ولم يوقفها سوى الركود الناجم عن الوباء. وفيما يتعلق بالتوجهات السابقة للوباء، يسير العالم على الطريق الصحيح لاستنفاذ ميزانيته المخصصة لإزالة للكربون بحلول عام 2035. إذ بالرغم من التحذيرات الملحة من العلماء، أخفقت المفاوضات العالمية بشأن المناخ لحد الساعة في مواكبة مستوى الطموح المطلوب لمواجهة التحدي، مما أدى إلى تشاؤم واسع النطاق بشأن قدرة البشرية على منع الكوارث المناخية.

ما الذي يفسر هذا التعايش بين التفاؤل القائم على التكنولوجيا وانتشار القلق؟ فعلى أي حال، يعد الانتقال إلى صافي الصفر من الانبعاثات ممكناً من الناحية التقنية، ومنخفض التكلفة إلى حد ما في عدد كبير من القطاعات. وتعتبر مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح أقل الخيارات الطاقية تكلفة في جزء كبير من العالم، وستزيد تكلفتها انخفاضاً مع زيادة اعتمادها. وبالطبع، لأن هذه المصادر متقطعة، فهي تتطلب بطاريات لتخفيف التقلبات. لكن البطاريات تتحسن وتنخفض تكلفتها يوماً بعد يوم، ما يتيح تحويل قطاعي النقل وتوليد الكهرباء إلى قطاعين صديقين للبيئة.

إن أحد الأسباب وراء عدم كفاية العمل المناخي حتى الآن هو أن تحويل قطاعي الكهرباء والنقل إلى قطاعين خاليين من الكربون يستلزم تكاليف أولية. وقد يكون من الضروري دفع بعض تكاليف الاستبدال هذه عندما تفقد السيارات ومحطات الفحم ومحطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز صلاحيتها أو تتقادم. وفيما يتعلق بعدد محدود من التقنيات مثل الطاقة الشمسية، فقد تراجعت تكلفتها إلى حد كبير لدرجة أن اعتمادها سيعود بالنفع حتى على المدى القصير. وفي كثير من الأحيان، رغم ذلك، تكون لإزالة الكربون مكاسب على المدى الطويل فقط في عالم يتسم بقصر المدى.

والسبب الآخر وراء عدم اتخاذ أي إجراء هو أن إجراء التحولات المراعية للبيئة سيكون لها آثار توزيعية كبيرة داخل البلدان وفيما بينها. فعلى المستوى الوطني، ستُخلق الملايين من الوظائف الجديدة، لكن ملايين أخرى ستضيع. وحتى لو كانت النتيجة زيادة صافية في الوظائف على مدى عقد من الزمن، فإن من فقدوا وظائفهم سيبطئون عملية الانتقال ما لم يتمكنوا من الحصول على تعويضات مناسبة ووظائف أخرى بسرعة.

وتكون مشكلة الانتقال هذه أكثر حدة في الدول النامية، التي ستكون في النهاية أفضل حالا باستخدام التقنيات الصديقة للبيئة، لكنها تفتقر إلى التمويل الطويل الأمد والحوافز لاعتمادها. والحل الممكن الوحيد هو أن تدعم الدول الغنية التحول في البلدان النامية، بما في ذلك عن طريق بنوك التنمية المتعددة الأطراف. ومع ذلك، خلُص الخبير الاقتصادي ويليم بويتر مؤخراً إلى ما مفاده أنه «نظراً إلى أن هذا التضامن المالي المحلي مطلوب بالفعل، يبدو التضامن المالي العابر للحدود وكأنه عديم الجدوى». وأضاف أنه «ما لم يتغير هذا، وإلى أن يحدث ذلك، فإن أزمة وجودية من صنعنا ستزداد سوءا ليس إلا».

وبالفعل، يستدعي حجم التمويل الطويل الأمد المطلوب لتغطية التكاليف الأولية ومواجهة صعوبة التحديات التوزيعية تنسيقاً عالمياً وتماسكاً محلياً لم يسبق لهما مثيل حتى يصبح التحول الأخضر ممكناً من الناحية المالية والسياسية. وما يبعث بالسرور أنه رغم أن الإمكانيتين التكنولوجية والسياسية لهما مستويات مختلفة، فهما مرتبطتان مع بعضهما البعض.

فعلى سبيل المثال، تخفض التقنيات الصديقة للبيئة التكاليف السياسية حتى تتمكن البلدان من اعتمادها، لأن القيام بذلك يصب في مصلحتها الوطنية. وهذا هو السبب وراء استبدال الهند الطوعي والمفاجئ لمحطات الفحم بأخرى متجددة. وتعوض العوامل الخارجية الإيجابية من الابتكار التكنولوجي على الأقل جزئياً العوامل الخارجية السلبية التي يسببها المستفيدون بالمجان والمشاكل المتعلقة بالتنسيق. وهذا يجعل من المهم بالنسبة لصانعي السياسة ضمان حصول الدول الفقيرة على هذه التقنيات بتكلفة منخفضة.

ومع ذلك، رغم أن التقدم الحاصل في مجال التكنولوجيا قد يجعل تحقيق الأهداف الطموحة في مجال المناخ أمراً معقولاً بصورة متزايدة، فإنها لا زالت غير كافية لإيصالنا إلى خط النهاية. وبهذا المعنى، فالمنبهون على حق. إذ نظراً للمساهمات الحالية غير الكافية المحدَدة وطنياً بموجب اتفاقية باريس لعام 2015، فإن أغلب الاحتمالات أن العالم لن يكون قادراً على إبقاء الاحترار العالمي في مستوى أقل من 3 درجات مئوية بحلول نهاية هذا القرن، وسيشهد أحداثاً مناخية كارثية قبل ذلك بكثير.

ويمكن لصانعي السياسة حل التناقض الواضح بشأن ما يقال عن بالمناخ، ولكن فقط من خلال اتخاذ إجراءات سريعة على مستويات عدة. ولإثبات أن المتشائمين على خطأ، يجب أن يكون التحول الموجه نحو المناخ جزءاً من حزمة سياسية شاملة تتضمن تحولاً مالياً بعيد المدى، وأن يركز على المسائل المتعلقة بالتوزيع. ولهذا، إلى جانب التكنولوجيا الجديدة، يجب على الحكومات المساعدة في توجيه مبالغ هائلة من المدخرات نحو استثمار طويل الأمد، وأن تظهر التزاماً سياسياً غير مسبوق لتحقيق الإنصاف على المستوى المحلي والدولي. وفقط حينها، سيصبح تحقيق المستحيل أمراً لا مفر منه.

* شغل سابقاً منصب وزير الشؤون الاقتصادية في تركيا و منصب مسؤول عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويشغل حالياً منصب زميل أول في معهد بروكينز.

** كبير محللي ومنسقي الأبحاث في قسم المشاركات الاستراتيجية في معهد بروكينز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات