الحِكمة الاقتصادية لجورج شولتز

اشتهر جورج شولتز، الذي توفي هذا الشهر عن عمر يناهز مئة عام، بالعمل وزيراً للخارجية في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. تمكّنا معاً من الحد من انتشار الأسلحة النووية، والمساعدة في إنهاء الحرب الباردة، والدفاع عن حقوق الإنسان، وذلك راجع للعلاقة الوثيقة بينهما.

لقد تراجعت قيمة الكلمات مثل «عظيم» و«استثنائي» في الوقت الحاضر لدرجة أنها تبدو في غير محلها حتى عندما تكون مُستحقة حقاً. في الواقع، قد يكون من الصعب التعبير عن التأثير العميق والواسع والدائم الذي أحدثه شولتز على العالم، وعلى السياسة الاقتصادية بشكل خاص. أثناء تحويل الأقوال إلى أفعال، على حد تعبيره، لم يفقد أبداً سماته وتواضعه ونزاهته.

لقد كنتُ محظوظاً بالعمل معه عن كثب لمدة 50 عاماً في مجموعة واسعة من قضايا السياسة العامة.

كان جورج يُفكر بشكل استراتيجي، من منظور طويل الأجل، وهو ما عزاه إلى تدريبه كخبير اقتصادي. كان يعتمد في عمله على مبدأ «كن بوصلة، وليس دوارة رياح».

بدأت تفاعلاتنا الشخصية العديدة في عام 1973، عندما طلب مني أنا ومارتن فيلدشتاين، بصفته وزيراً للخزانة الأمريكية، تقديم المشورة إلى لجنة فيلر، التي روج لها برفقة ويلبر ميلز، رئيس لجنة الطرق والوسائل القوية آنذاك، للتوصية بسياسات تستهدف الأعمال الخيرية الخاصة. كثيراً ما فكرتُ أنا وجورج في أن الدور الكبير للأعمال الخيرية الخاصة بالنسبة للحكومة كان عاملاً هاماً في نجاح أمريكا. خلُص بحثنا إلى أن التخفيضات الضريبية للأعمال الخيرية كان له تأثير كبير على مستوى العمل الخيري، وقد لعب تقرير اللجنة دوراً مهماً في منع إلغاء هذه التخفيضات.

بعد فترة وجيزة، التقيتُ أنا وجورج بحاكم كاليفورنيا جيري براون، وأراد منا تقديم اقتراحات بشأن ميزانية الولاية. حاول إقناعنا بدعم بناء فائض أكبر.

وفي عام 1979، دعا جورج العديد من الاقتصاديين إلى منزله لتناول العشاء مع ريغان، الذي كان يسعى للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة. لقد أراد مني أن أشرح لريغان الفروق الدقيقة في اقتصاديات العرض، بينما نصحه ميلتون فريدمان بدعم عملية تخفيف مُحتملة للتضخم.

ثم دعاني جورج والخبير الاقتصادي مارتن أندرسون للانضمام إلى حملة ريغان. ساعدتُ في إعداد ريغان لخوض المناقشات مع المرشحين، وصياغة السياسات الضريبية التي أدت إلى خفض المعدلات الهامشية، وربط مستويات معدل الضريبة بالتضخم، وتسريع معدل الاستهلاك، وإدخال ادخارات ضريبية مؤجلة (والتي تستند جزئياً إلى بحثي حول آثار الضرائب على الادخار).

كانت هذه تحسينات مُهمة في قانون الضرائب.

لم تكن قدرة جورج المذهلة على حل المشاكل المُعقدة وابتكار طرق للمضي قدماً تتعلق بالتحليل والمخططات والبيانات فقط. فهو لم يغفل قط، بل كان يؤكد دائماً، أن السياسة الاقتصادية تتعلق بحياة الناس.

عمل جورج حتى النهاية - بما في ذلك على مشروع النظام الفيدرالي الخاص بنا - وترك العالم مكاناً أفضل بأفكاره وخدمته وإرشاداته والمثال الذي قدمه في استخدام الذكاء والخبرة والثبات لمعالجة المشاكل الصعبة بقلب كبير. ارقد بسلام أيها العملاق الحكيم المُتواضع.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد وزميل أول في مؤسسة هوفر، وشغل سابقاً منصب رئيس مجلس جورج هربرت واكر بوش للمستشارين الاقتصاديين من عام 1989 إلى عام 1993.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات