أوروبا والسوق الصيني

كشف كل من الاتحاد الأوروبي والصين أواخر الشهر الماضي عن تفاصيل جديدة بشأن الاتفاقية الشاملة للاستثمار التي أبرمها الطرفان في ديسمبر. على الورق، يتبدى لنا أن مفاوضي الاتحاد الأوروبي أحرزوا بعض التقدم في مناح مهمة كالوصول إلى السوق الصينية، وتحرير الاستثمار، والتنمية المستدامة. لكن هل يمكن لاتفاقية ذات طابع تدريجي كالاتفاقية الشاملة للاستثمار أن تحكم فعلاً العلاقات الاقتصادية الثنائية مع الصين بوضعها الحالي؟

بالتأكيد، حصل الاتحاد الأوروبي على ضمانات بالوصول إلى السوق الصينية في قطاعات مهمة منها المركبات الكهربائية والحوسبة السحابية والخدمات المالية والرعاية الصحية، وهذا يرجع بشكل كبير إلى إرخاء القيود المفروضة على أسهم رأس المال. لكن لم يُكشف بعد عن الملاحق المفصَّلة المرفقة بالاتفاقية، ولا نزال بحاجة إلى معرفة ما استجد كلياً من تلك الالتزامات. فلا نستبعد أن تكون الاتفاقية قننت إلى حد كبير الخطوات التي اتخذتها الصين بالفعل لتعزيز الوصول إلى السوق، إما من خلال قوانين ولوائح الاستثمار الخاصة بها، أو على أساس خاص بتلك الاتفاقية.

أشك في نجاح محاولة الاتفاقية الشاملة للاستثمار في معالجة حال السوق الناشئة عن النهج الفعلي الموجود. وفي ظل ما تتلقاه الشركات الصينية من إعانات حكومية ضخمة ومساعدات مالية رسمية أخرى، أضحت فرصة الشركات الأجنبية في المنافسة مع الشركات الصينية، سواء داخل الصين أم في دول الأطراف الثالثة، صعبة بشكل متزايد.

ومن المتوقع أن يتواصل هذا التوجه، حيث تعهد الرئيس الصيني شي جين بينج في يوليو الماضي «بتعزيز الدعم المالي للجهات الفاعلة في السوق»، وشدد على «ضرورة أن تلعب المشروعات المملوكة للدولة دوراً كبيراً في قيادة المشروعات الأولية والنهائية بكل أنواعها».

وتتضمن الاتفاقية الشاملة للاستثمار بنوداً وأحكاماً لتقوية الشفافية بشأن الإعانات الحكومية المتعلقة بالخدمات. لكن آلية مناقشة الإعانات الأخرى - التي هي منشأ بعض المشكلات الكبرى - غير قابلة للتنفيذ. علاوة على ذلك، رغم قوة القواعد التي تفرضها الاتفاقية الشاملة للاستثمار بخصوص المشروعات المملوكة للدولة مقارنة بقواعد منظمة التجارة العالمية، فإنها لا تزال قاصرة بدرجة كبيرة عن تلك القواعد المدرجة باتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ. ولا بد من بنود أكثر قوة وصرامة في مثل تلك المجالات حتى يكون لأي اتفاق للتجارة والاستثمار مع الصين مغزى.

تتعلق آخر نقاط الضعف الكبرى في الاتفاقية الشاملة للاستثمار بأحكام العمالة الواردة بالجزء الخاص بالتنمية المستدامة.

ربما كان للاتفاقية الشاملة للاستثمار مغزى ومعنى عام 2013 عندما بدأت المفاوضات بشأنها. لكنها بالتأكيد غير مُعدة لمعالجة التحدي المشهود في الاقتصاد العالمي اليوم. ويكفي على أية حال أن تلك الاتفاقية أُبرمت قبل أيام من تنصيب إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، رغم إشارات القلق والتخوف من جانب فريق بايدن إزاءها. وبالتالي قد تتسبب الاتفاقية من هذا المنظور في تعقيد مساعي الإدارة الأمريكية الجديدة نحو بناء تحالف نوعي بالمجال.

أقل ما توصف به الاتفاقية الشاملة للاستثمار أن ما تقدمه قليل للغاية وأنها جاءت بعد فوات الأوان.

بعد أربعة أعوام من أجندة ترامب التي حملت شعار «أمريكا أولاً»، بات من المفهوم أن الاتحاد الأوروبي يريد أن يُظهر «استقلاليته الاستراتيجية» وقدرته على التحرك منفرداً. لكن إذا استرشدنا بالتاريخ، سنجد أنه لن يكون بوسع أي اقتصاد بمفرده تغيير أنماط سلوكية أشد إشكالية في واقع السوق العالمية.. إن نهجاً جماعياً قائماً على التعاون الفَـعّـال عبر المحيط الأطلسي قد يحظى بالفرصة لإحراز النجاح على الأقل.

* القائمة بأعمال نائب الممثل التجاري الأمريكي سابقاً، والنائبة الحالية لرئيس معهد سياسات جمعية آسيا.

opinion@albayan.ae

طباعة Email