نحو سلاسل توريد أكثر أماناً وإنتاجية واستدامة

على مدار السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، سَـمَـحَـت الثورات التي شهدتها تكنولوجيات الاتصالات والنقل، للشركات، بإنشاء سلاسل قيمة عالمية حقاً. فكانت الشركات التي تعالج المواد الخام، مرتبطة بالشركات المصنعة للمدخلات وقطع الغيار، والتي كانت بدورها مرتبطة بالشركات التي تعمل في تجميع وتعبئة المنتجات النهائية، ثم بقنوات التوزيع الممتدة إلى المستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

في السنوات العشرين التي سبقت اندلاع جائحة مرض فيروس «كورونا» (كوفيد 19)، تضاعفت القيمة السنوية للسلع الوسيطة المصدرة عبر الحدود إلى ثلاثة أمثالها، إلى أكثر من عشرة تريليونات دولار، ما أدى إلى ظهور نظام إنتاج معقد التصميم. ولكن لأن تطوير هذه الشبكات العالمية كان المقصود منه تقليل التكاليف، من خلال توخي القدر الأقصى من الكفاءة، فإنها قد تكون هشة، وقد تنهار تحت الضغط.

ومن ثَـم، يتعين على كل دولة، مشاركة في شبكات الإنتاج على مستوى العالم، أن تدرك مدى تعرضها للخطر، وأن تعكف على بناء المزيد من المرونة والقدرة على الصمود حيثما تقتضي الحاجة. ومن منظور الاقتصادات الناشئة الساعية إلى توسيع قدراتها في التصنيع الموجه إلى التصدير، قد تكون الآثار المترتبة على هذا الإدراك بعيدة المدى.

صحيح أن الجائحة لم تتسبب بعد في إعادة تشكيل بصمات الصناعة بشكل كبير. لكن هذا ليس بالأمر المستغرب: إذ إن سلاسل التوريد العالمية، تعكس المنطق الاقتصادي، واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات، وعلاقات طويلة الأمد مع الموردين. وتزداد صعوبة تغيير جغرافية الإنتاج، عندما تضم شبكات الموردين الرئيسة المتعددة الجنسيات، آلاف الشركات المستقلة، ولكل منها مساهماتها الخاصة.

مع ذلك، وكما رأينا، قد تكون سلاسل التوريد العالمية الواسعة الانتشار، عُـرضة لكل أشكال الارتباك والتعطل، من الكوارث الطبيعية، إلى الهجمات السيبرانية (التي تستهدف الأنظمة المتصلة بالإنترنت). وقد أثبتت جائحة «كوفيد 19» هذا الأمر، حيث أجبرت شركات التصنيع على إدارة القضايا المرتبطة بصحة وسلامة قوة العمل، والتخطيط والصعوبات اللوجستية، ونقص الموارد وقطع الغيار، والارتفاعات والانخفاضات غير المتوقعة في الطلب، والمشاكل المرتبطة بالتدفقات النقدية.

من غير الممكن أن تفترض الشركات أن العودة إلى الإبحار السلس بعد الجائحة، أمر في حكم الممكن.

في استطلاع حديث لآراء المديرين التنفيذيين في سلاسل التوريد، وجد معهد ماكينزي العالمي، أن الارتباكات التي تستمر لمدة شهر أو أكثر، تحدث الآن كل 3.7 سنوات، في المتوسط، ما يفرض تكاليف مالية باهظة. وبعد التعديل وفقاً لاحتمالية وتواتر هذه الارتباكات، يمكن أن تتوقع الشركات خسارة تتجاوز 40 % من أرباح عام واحد كل عشر سنوات (بناء على نموذج استعان بالبيانات المالية لنحو 325 شركة عبر 13 صناعة). علاوة على ذلك، من الممكن أن تؤدي صدمة واحدة شديدة، تُحدِث ارتباكات تدوم 100 يوم، إلى محو أرباح عام كامل أو أكثر في بعض الصناعات. وكما تعلمنا أخيراً بالطريقة الصعبة، فإن وقوع أحداث بهذا الحجم، أمر وارد تماماً.

مع قيام الشركات والحكومات بإعادة تقييم كيفية تدفق السلع عبر الحدود، فسوف تجري بعض هذه الشركات تعديلات مستهدفة للحصول على السلع من أماكن ترى أنها أقل خطورة. لكي نفهم كيف يمكن أن تتخذ مثل هذه القرارات ومدى تأثيرها، قام معهد ماكينزي العالمي، بفحص جدوى التحرك بناء على ديناميكيات الصناعة، فضلاً عن إمكانية تدخل الحكومات لدعم الإنتاج المحلي من السلع، التي تعتبرها أساسية أو استراتيجية. في الإجمال، تشير تقديراتنا إلى أن ما يصل إلى ربع الصادرات السلعية العالمية ــ بقيمة تتراوح من 2.9 تريليون دولار إلى 4.6 تريليونات دولار سنوياً ــ من الممكن أن تتحول عملياً إلى بلدان مختلفة في السنوات الخمس التالية، أو نحو ذلك، وإن كانت هذه الإمكانية تتفاوت بشكل كبير عبر الصناعات.

لا ينبغي لهذا التحرك أن يؤدي بالضرورة إلى إطلاق موجة من إعادة توطين التصنيع في الاقتصادات المتقدمة، وخاصة إذا كان يشجع «نقل التصنيع إلى بلدان قريبة»، أو الانتقال من اقتصاد ناشئ إلى آخر. بيد أن هذا يخلق، رغم ذلك، ضرورات وحتميات جديدة للاقتصادات الناشئة الحريصة على إضافة وظائف جديدة، وتطوير قاعدتها الصناعية، من خلال نمو الصادرات. الواقع أن قسماً كبيراً من التصنيع الذي يحدث في الاقتصادات النامية، مخصص للاستهلاك المحلي، ومن المرجح أن تظل هذه العمليات في مكانها. السؤال هو ما إذا كانت هذه البلدان قادرة على الاحتفاظ بحصتها في الصادرات العالمية، أو حتى الحصول على حصة أكبر، مع قيام الشركات بإعادة النظر في قرارات شراء المنتجات أو الخدمات من موردين خارجيين.

على مدار سنوات، كانت البلدان النامية تتلقى نصيحة، مفادها أن التنافس على أساس العمالة المنخفضة التكلفة وحسب، ليس كافياً، وأنها يجب أن تعمل على تعزيز الإنتاجية، وتطوير قاعدة المهارات، وتحسين جودة الإنتاج. والآن، ستتسع هذه القائمة، لتشمل القدرة على الصمود. إذ يتعين على البلدان الراغبة في الاحتفاظ بمواقعها في سلاسل القيمة العالمية ــ أو حتى الحصول على حصة في الإنتاج قد تكون متاحة ــ أن تعكف على تقييم مدى تعرضها للمخاطر، ورعاية القدرات الكفيلة بتمكينها من تحمل الارتباكات والتعافي منها بسرعة.

و تحتاج الشركات المتعددة الجنسيات، إلى جعل سلاسل توريدها أكثر استقراراً وشفافية واستدامة، وأفضل طريقة لتحقيق هذه الغاية، هي الاستعانة بالتكنولوجيا. وقد يساعد ربط شبكات الإنتاج بالكامل من طرف إلى طرف، في توفير الموقع الدقيق، وتوقيت الشحنات، وجعل المخاطر التي تلوح في الأفق ظاهرة لحظية. ولكن مع تحول المزيد من الأصول المادية رقمياً، تحتاج الشركات إلى عمال يتمتعون بالمهارات الفنية ذات الصلة، إلى جانب استثمارات أكبر في الأمن السيبراني.

كما تمثل مرونة سلاسل التوريد، قضية للقطاع العام. يجب أن يتم بناء وتكييف أنظمة البنية الأساسية المادية، بحيث تتحمل كل ما تتعرض له من صدمات طبيعية، أو أفعال خبيثة من جانب قوى شريرة. وعلى ضوء تجربة العام الفائت، يتعين على الشركات أن تضمن توفر الشبكات الرقمية القوية، وأنظمة الإنذار المبكر، وقدرات إدارة الطوارئ.

لقد أطلقت الجائحة جرس إنذار صريحاً.

والآن، تطرأ التغييرات على هياكل التكلفة عبر البلدان، وتكتسب تكنولوجيات جديدة، المزيد من الثِـقَـل في عمليات التصنيع العالمي. وقد تسهم هذه التطورات في تمهيد الطريق، بما يسمح لسلاسل التوريد بأن تصبح أكثر أماناً وإنتاجية، ولكن يتعين على الاقتصادات الناشئة، أن تعطي الأولوية لمرونتها وقدرتها على الصمود، حتى يتسنى لها أن تطالب بحصة أكبر في الإنتاج العالمي.

* كبير شركاء ماكينزي، مدير معهد ماكينزي العالمي، المؤلف المشارك لكتاب «ليس ارتباكاً مألوفاً: القوى العالمية الأربع تخالف كل الاتجاهات».

** شريك لدى معهد ماكينزي العالمي.

opinion@albayan.ae

طباعة Email