تأملات في «عام الوباء»

ربما يكون من السابق للأوان الآن أن نقدم تقييماً للعواقب المحتملة لجائحة مرض فيروس كورونا (كوفيد 19)، خاصة وأن المستقبل قد لا يخلو من المزيد من التقلبات والمنعطفات. وبمجرد هزيمة فيروس كورونا، ربما يتبين لنا أن بعض التغييرات التي أحدثتها الجائحة في حياتنا كانت مؤقتة. ولكن مع وضع هذه المحاذير في الاعتبار، من الممكن أن نبدأ برسم بعض الاستنتاجات.

أولاً: يبدو من الواضح بدرجة معقولة أنه بمجرد ظهور فيروس جديد شديد العدوى والخطورة، من المفيد أن نتحرك بقوة للقضاء عليه في أقرب وقت ممكن، بدلاً من الانتظار والأمل في أن نتعلم المزيد. بعد مرور أكثر من عام منذ اندلعت فاشية «كوفيد 19» الأولية في الصين، يبدو أن العديد من البلدان التي اتخذت الخطوات الأكثر صرامة في التصدي لفيروس كورونا (معظمها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ) أصبحت الآن في وضع أقوى كثيراً من الغرب.

مؤخراً، على سبيل المثال، استجابت أستراليا الغربية لحالة واحدة مؤكدة بالإصابة بكوفيد 19 بإغلاق مدينة بيرث لمدة خمسة أيام. هنا في المملكة المتحدة، وعلى النقيض من ذلك، عادت المطالبات الصاخبة بإعادة الفتح بمجرد ورود دليل على أن حالات الدخول إلى المستشفيات والوفيات المسجلة تجاوزت الذروة، حتى برغم أن معدل الإصابات الجديدة اليومي لا يزال أعلى كثيراً من 15 ألف حالة. من الواضح أن إنهاء الإغلاق أمر مرغوب، لكن كما تعلمت المملكة المتحدة، فإن أي تخفيف للقيود سيكون مؤقتاً ما لم ينخفض عدد الحالات النشطة بشكل كبير.

ثانياً: تقوم بعض البلدان بتطعيم سكانها بسرعة أكبر من غيرها. وتضم قائمة الرواد في هذا الصدد المملكة المتحدة، وهو ما يبرر جزئياً الدعوات الصاخبة المطالبة بتخفيف الإغلاق. تشير الدلائل الأولية إلى أن لقاحات «كوفيد 19» لا تساعد في تقليص نطاق المرض الخطير وحسب، بل وتساعد أيضاً في الحد من انتقال العدوى. وقد يكون هذا خبراً رائعاً، بل وربما يمثل بداية نهاية الجائحة ــ إذا ظهرت علامات أقوى تدل على فعالية اللقاحات. ولكن إذا رفعت الحكومات الإغلاق قبل الأوان، فسوف يزداد خطر حدوث طفرات جديدة من فيروس كورونا مقاوِمة للقاحات الحالية.

ثالثاً: على الرغم من تكييف لقاحات «كوفيد 19» الأولى من أبحاث جارية بالفعل لأغراض أخرى، فقد تتسبب الجائحة في تحسين عملية تطوير اللقاحات بالكامل بشكل دائم، من البحوث إلى التجارب السريرية والإجراءات الحاصلة على الموافقات التنظيمية. إذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يساعدنا هذا في مكافحة التحورات الجديدة والأوبئة الجديدة في المستقبل.

ربما تعمل الجائحة أيضاً على تعزيز كفاءة وإنتاجية قطاع الأدوية والمستحضرات الصيدلانية في الإجمال (خلافاً لأرباحه).

رابعاً: أظهرت أزمة «كوفيد 19» أن الحكومات قادرة على إنفاق مقادير ضخمة من الأموال دون إرباك الأسواق بالقدر الذي تصوره كثيرون. ورغم أن مستويات الديون الحكومية المرتفعة والمتزايدة الارتفاع أثارت تساؤلات ضخمة، فإن حقيقة بقاء الظروف المالية حميدة للغاية ــ حيث تبدو أسواق السندات بشكل خاص خالية من أي ارتباك ــ تثير احتمالية تبني الحكومات لمواقف مالية أكثر طموحاً مما يتصور كثيرون.

ربما يخلف هذا تأثيرات عميقة على مناقشات السياسة الاقتصادية، من التساؤل حول ما إذا كان ينبغي لمنطقة اليورو أن تلغي قاعدتها المالية، التي تحد من الدين الحكومي بما لا يتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى التساؤل حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تحافظ على حضورها الدائم في بعض القطاعات حيث كانت غائبة في السابق.

من الأهمية بمكان أيضاً، أن تضطلع الحكومات بدور أكبر في ضمان تمكين جميع المواطنين من الوصول إلى التكنولوجيات الرقمية (بذات الطريقة التي ينبغي لها أن تضمن بها الوصول الشامل إلى التعليم والرعاية الصحية). فما لم يكن لدى الجميع القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، فمن غير المرجح أن تنجح المبادرات الوطنية الكبرى، مثل مخططات الاختبار وتتبع المخالطين في التعامل مع جائحة «كوفيد 19».

خامساً: أياً كانت هيئة العمل عن بُـعـد في مرحلة ما بعد الجائحة، فقد أصبحت عادات العمل مهيأة لأن تصبح أكثر مرونة. وهذا من شأنه أن يخلف مجموعة من النتائج الإيجابية، بما في ذلك إهدار وقت أقل كثيراً في التنقل، وتخفيف الضغوط لتحديث وترقية البنية الأساسية التقليدية لوسائل النقل، فضلاً عن ظهور أسواق عمل أكبر وأكثر «سيولة»، وربما حتى زيادة في الإنتاجية.

سادساً: ساعدت الأزمة في التعجيل بالتحول نحو أدوات محسنة تكنولوجيا، وخاصة بين المستهلكين، وهذا بدوره يلقي بظلال من الشك على مستقبل العديد من تجار التجزئة التقليديين. وعلى هذا فمن المفترض أن صناع السياسات سيحتاجون إلى إعادة النظر في بعض جوانب النظام الضريبي، بما في ذلك إيجاد مصادر جديدة للإيرادات من الأعمال التجارية عبر الإنترنت.

سابعاً: سيكون لزاماً على وظيفة العقارات الحضرية، وربما في التجمعات السكانية المتقاربة بشكل خاص، أن تتكيف. وهذا يتطلب ابتكار أفكار جديدة حول العلاقات المكانية بين المكاتب والمتاجر والمساكن، وكذا حول وسائل النقل.

أخيراً، أفضت أزمة «كوفيد 19» إلى التعجيل بصعود آسيا العالمي في ما يتصل بالنمو الاقتصادي النسبي، حيث تقود الصين صعود المنطقة. وعلى هذا فإن التغاير بين بنية الحكم في الصين ونظيرتها في الديمقراطيات الغربية ــ في ما يتصل بترتيبات الحوكمة العالمية وإدارة العلاقات الثنائية ــ سيشكل قضية أكبر حجماً من أي وقت مضى للعديد من القادة.

* رئيس شركة جولدمان ساكس لإدارة الأصول ووزير خزانة المملكة المتحدة سابقاً، ويشغل حالياً منصب رئيس تشاتام هاوس.

opinion@albayan.ae

طباعة Email