أزمة إيطاليا..ثقة مفقودة وآفاق

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

في سنة 2012 تمكن رئيس البنك المركزي الأوروبي في ذلك الحين ماريو دراجي من انتشال أوروبا من براثن أزمة اقتصادية من خلال وعده الشهير بأن يفعل «مهما يتطلبه الأمر» من أجل إنقاذ اليورو والآن بلد دراجي الأصلي «إيطاليا» يأمل أن يتمكن من إنقاذه كذلك وذلك من خلال ترؤس حكومة وحدة وطنية ولكن حتى بالنسبة «لسوبر ماريو» فإن نجاحه غير مضمون بالمرة.

لا يوجد أي تشكيك بمهارات وقدرات ومصداقية دراجي ومن المؤكد انه سوف يختار وزراء من أصحاب الكفاءات العالية ولكن لا يجب الاستهانة بالتحدي المقبل فإيطاليا لا تعاني من تفاقم وضع الأزمة الاقتصادية طويلة المدى بسبب جائحة كوفيد-19 الكارثية فحسب، بل هي أيضا في خضم ازمة سياسية أصابت البلاد بالشلل.

لو أراد دراجي أن يتعامل مع الحالة الطارئة التي تسببت بها جائحة كوفيد-19 ناهيك عن تحصين الأسس الاقتصادية لإيطاليا، فإنه سيتوجب عليه أولاً إيجاد طريقة للتعامل مع الأجواء السياسية المعقدة في البلاد، وهذا يعني بادىء ذي بدء ضمان الحصول على دعم كامل من حركة النجوم الخمس المعادية للسلطة.

لقد أصبحت حركة النجوم الخمس في الانتخابات العامة الإيطالية لسنة 2018 أكبر حزب في البرلمان، وذلك بفضل آرائها المشككة بأوروبا وحتى أن قيادة الحزب اتهمت دراجي والذي ترك البنك المركزي الأوروبي في العام التالي «بمهاجمة إيطاليا» وبينما خفف حزب النجوم الخمس من لهجته بشكل كبير منذ ذلك الحين، وتعهد بدعم الحكومة بقيادة دراجي، إلا انه ما يزال يعاني من انقسامات عميقة والعديد من أعضاء الحزب ينظرون لهذا الدعم على انه تراجع غير مقبول.

لكن حركة النجوم الخمس هي فقط جزء من المعادلة ،حيث من الممكن أن تحتاج حكومة دراجي الجديدة كذلك إلى أصوات أحزاب الوسط الصغيرة وحزب رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو بيرلسكوني «فورزا إيطاليا» وربما حتى حزب ماتو سالفيني من اقصى اليمين «ليغا» وذلك من اجل ضمان تحقيق أغلبية برلمانية ،ولكن حتى لو تمكن من تشكيل مثل هذا التحالف فإنه سيكون تحالفاً فوضوياً ،ويمكن أن يصبح بسهولة رهينة لنزاعات وتفضيلات وأهواء أعضائه.

إن هناك الكثير من المواضيع التي قد تختلف القوى السياسية في إيطاليا حولها، حيث يجب أن تتضمن اجندة حكومة دراجي تدخلات طارئة قصيرة المدى وإجراءات إصلاح هيكلية طويلة المدى- وجميعها يتطلب إنفاقاً عاماً كبيراً. إن صندوق الاتحاد الأوروبي الخاص بالتعافي من كوفيد-19 والذي تبلغ قيمته 750 مليار يورو (902 مليار دولار امريكي) -سوف تحصل إيطاليا وهي إحدى الدول المتأثرة بفيروس كورونا على مبلغ 200 مليار يورو منه- قد تم تصميمه على هذا الأساس.

لقد أقر دراجي أن أي حل للأزمة الاقتصادية المرتبطة بكوفيد-19 «يجب أن يتضمن زيادة كبيرة في الدين العام» ولكن بالنسبة لإيطاليا ستكون الزيادة كبيرة بالفعل.

طبقاً لدراجي فإن مفتاح الإبقاء على مستويات مرتفعة من الدين مستدامة هو توجيه الإنفاق العام «لأغراض إنتاجية».

في واقع الأمر بينما الإنفاق الإنتاجي هو جزء من معادلة استدامة الدين، فإن الإبقاء على تكاليف خدمة الدين منخفضة ،يعد أمراً أساسياً كذلك ومن اجل تحقيق ذلك، فإن وجود حكومة فعالة يعتبر ضرورياً، ولكن ليس شرطاً كافياً، فالأجواء السياسية يجب أن تتمتع بالمصداقية أيضا.

إن مكانة دراجي الشخصية سوف تكون من العوامل المساعدة-لقد ارتفعت أسواق الأسهم والسندات في إيطاليا بمجرد طرح فكرة وجود حكومة بقيادة دراجي ،ولكن لا يوجد شخص بمفرده يمكنه أن يضمن قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالدين. لقد استنفدت الأجواء السياسية المختلة في إيطاليا العديد من الرجال الجيدين في ربع القرن الماضي.

لو أراد دراجي تجنب المصير نفسه، يتوجب عليه التركيز على وضع الأسس للتحول الاقتصادي في إيطاليا ،عوضاً عن قيادة العملية وهذا يعني وضع جدول زمني محدد لقيادته، فبغض النظر عن مقدار الضغط الذي يواجهه، لا ينبغي أن يظل رئيساً للوزراء بعد عام 2022 وربما يتوجب عليه أن لا يبقى كل هذه الفترة الطويلة ،وفي واقع الأمر يجب اجراء انتخابات عامة في أسرع وقت ممكن.

لا يوجد وصفة سحرية لمعالجة الأزمة السياسية في إيطاليا، ولا يجب أن يتوقع أحد أن يتمكن دراجي من إيجاد مثل تلك الوصفة ،فحكومة التكنوقراط تحتاج لأن تكون فعالة وقصيرة الأجل، بحيث يكون ارث تلك الحكومة هو العمل الذي ستقوم به الحكومات اللاحقة، وهذا يعني انه يتوجب على دراجي التركيز على توجيه القوى السياسية في إيطاليا نحو قرارات تتعلق بتحقيق سياسات مستدامة.

إن هذا يعني كذلك أن تلك القوى يجب أن تكتشف كيفية التواصل مع بعضها البعض بشكل بناء، وهذا سيكون دليلاً على وجود ديمقراطية ناضجة. إن محاولة قمع بعض الأصوات مثل أولئك المتشككين بأوروبا وحتى الفاشيين يمكن أن تتسبب في المزيد من الضغوطات التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انفجار مدمر. إن نزع فتيل تلك القوى من خلال الحوار والحوكمة الفعالة هو الطريقة الوحيدة لإحراز تقدم يتسم بالمصداقية.

إن أزمة إيطاليا الحالية والتي تأتي في وقت يعاني فيه الناس من الإغلاقات، ومن برنامج تطعيم تم إغداق المديح عليه مع انه لم يصل إلا إلى أقل من 4% من السكان، قد أدت إلى استنزاف ثقة الإيطاليين بقادتهم السياسيين، علماً أن بإمكان دراجي من خلال العمل الماهر والشجاع أن يحقق الكثير على درب استعادة تلك الثقة، ولكنه لا يستطيع عمل ذلك لوحده.

* أستاذة في الاقتصاد الدولي في معهد كوين ماري للسياسة العامة التابع لجامعة لندن.

طباعة Email