تسونامي «كوفيد 19» والأسواق الناشئة

صورة

إن وظيفة مراقب تسونامي لا تلقى حمداً ولا شكوراً. فإذا ضرب زلزال ما أستراليا، أو انفجر أحد البراكين تحت الماء بالقرب من جاوة، تكون المحطات البحرية في اليابان، وفيتنام، والفلبين، ونيوزيلندا، وحتى البعيدة منها في بيرو، وتشيلي، في حالة تأهب.

لقد تلقى سكان المناطق الساحلية تحذيرات من احتمال أن تضربهم موجة كبيرة. فإذا تصرفتَ على النحو الصحيح، سينقذ مراقبو تسونامي ملايين الأرواح؛ وإذا تصرفت على النحو الخطأ، فسيحاولون تجاهل الاستهزاء، وهم على علم أن المرة المقبلة قد تكون أقوى من غيرها.

في عام 2020، كان من المتوقع أن يدمر تسونامي «كوفيد 19» البلدان الفقيرة والمتوسطة الدخل في كل مكان. لقد ضربتها الموجة، وكانت عواقبها مؤلمة، لكنها كانت أقل مما كان متوقعاً.

وعلى عكس معظم التوقعات، عانت أوروبا الغربية الغنية وأمريكا الشمالية أكثر بكثير من غيرهما من خسائر في الأرواح، وأضرار اقتصادية.

وعانت البلدان التي شهدت عدداً أكبر من الوفيات انخفاضاً أكبر في الدخل. ولم يتحقق ما كان يخشاه الكثير وهي الموازنة بين الأرواح والدخل؛ بل على العكس من ذلك، أدى تراجع الوفيات إلى زيادة النشاط الاقتصادي، ومن ثم انخفض دخل الفرد بنسبة أكبر في البلدان الأشد ثراءً.

ونتيجة لذلك، لم تأت موجة تسونامي المتوقعة المتمثلة في زيادة عدم المساواة على مستوى العالم. إذ داخل البلدان، أصبح توزيع الدخل في جميع الاحتمالات أكثر ميلاً إلى اتجاهات معينة (فقد عمال المطاعم وسائقو سيارات الأجرة وظائفهم، بينما عمل المحامون والمصرفيون من منازلهم بأمان).

ولكن الحقيقة كما أوضحها الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أنغوس ديتون، هي أن الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة قد تقلصت.

لا أحد يعرف السبب الذي جعل البلدان الفقيرة تسجل حالات عدوى ووفيات أقل نسبياً، فمن المفترض أن تكون للنظم الصحية الضعيفة، والتغذية السيئة، والأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يعانون أصلاً من مشكلات صحية قبل إصابتهم بالعدوى، نتيجة معاكسة.

وتشير بعض التقييمات المبكرة إلى الميزة المزعومة للطقس الأكثر دفئاً، لكن بالكاد هناك أدلة تثبت ذلك. ويُعتقد أن وجود سكان في سن أكثر شباباً عامل مساعد، لكن هذا لا يفسر سبب تباين النتائج الصحية في البلدان ذات التوزيعات العمرية المتشابهة (الهند وبنغلاديش، على سبيل المثال، أو نيجيريا وزيمبابوي).

وقد تساعد شيخوخة السكان في تفسير الأداء السيئ لأمريكا اللاتينية. إذ تسجل بيرو، والمكسيك، والبرازيل، والأرجنتين، وبنما، وكولومبيا، معدلات وفيات تزيد على 1000 لكل مليون نسمة - من بين أعلى المعدلات في العالم.

لقد تحققت رغبة المتعجرفين في أمريكا اللاتينية الذين طالما اعتبروا أنفسهم أوروبيين في غير محلهم: فالمنطقة الآن تشبه أوروبا ليس فقط من الناحية الديموغرافية (خاصة في أمريكا الجنوبية)، ولكن أيضاً في عدم قدرتها المريعة على السيطرة على الوباء.

إذاً من هم أبطال هذه الرواية؟ لم يكن صندوق النقد الدولي وغيره من المقرضين المتعددي الأطراف، الذين قدموا القليل جداً بعد فوات الأوان. إن مبلغ 250 مليار دولار الذي أقرضه صندوق النقد الدولي لا يمثل سوى ربع قدرته على الإقراض، ونسبة زهيدة مقارنة بما تحتاجه البلدان وما أنفقته الدول الغنية على الإغاثة من الوباء.

كما استخدمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، حق النقض ضد توسيع الأصول الاحتياطية لصندوق النقد الدولي، وحقوق السحب الخاصة، والتي كانت ستسمح للدول الفقيرة باقتراض المزيد.

ودعمت الصين، وهي الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي سجل نمواً إيجابياً العام الماضي، الطلب على صادرات البلدان النامية من السلع الأساسية، (وأسعارها)، مما عزّز الوضع المالي لهذه البلدان. لكن دور الصين ثانوي مقارنة بما أنجزته البنوك المركزية الكبرى في العالم.

لقد أصبحنا نعلم منذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الفترة 2007 - 2009 أن إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة أداة قوية للتعافي. بالإضافة إلى ذلك، أدى بحث المستثمرين عن العائد، هذه المرة، إلى انتقال الأموال المطبوعة حديثاً إلى مناطق نائية من العالم.

فقد شهدت الأسواق نوبة غضب في مارس، وأبريل 2020، حيث سحبت كميات غير مسبوقة من الأموال من الاقتصادات الناشئة والحدودية. ولكن التدفقات الخارجية سرعان ما توقفت (وعُكست في بعض الأحيان). ولم يكن لدى المستثمرين مكان آخر يذهبون إليه.

وقد مهد هذا الطريق للأفكار الحقيقية لهذه الرواية، سلطات الاقتصاد الكلي في العديد من البلدان الناشئة والنامية.

لقد كانت الاستجابة المالية أكثر قوة أيضاً. وفي نهاية المطاف، سيتراجع الانكماش الاقتصادي الذي شهده العالم غير الغني في عام 2020 إلى مستوى أدنى بكثير مما كان يُخشى في السابق. إلى متى يمكن أن يستمر هذا، وما مدى هشاشة وضع الاقتصاد الكلي الأساسي؟

لقد وصل الدين بالفعل إلى هذا المستوى في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لكن منحنى العائد في هذين البلدين ثابت، مما يسمح للحكومتين بالاقتراض بمعدلات قياسية منخفضة لفترات استحقاق طويلة.

ومقابل ذلك، في البرازيل، يعتبر منحنى العائد من أشد الانحرافات في العالم، مما يدفع الحكومة إلى الاقتراض بآجال استحقاق أقصر من أي وقت مضى. ومن المؤكد أن ديون البرازيل تتم في الغالب بالعملة المحلية. ومع ذلك، فإن الظروف تتجه نحو التنافس على الديون البرازيلية.

لا أحد يستطيع التأكد مما إذا كان مثل هذا الذعر سيحدث. ولكن العديد من مراقبي تسونامي يدقون ناقوس الخطر مرة أخرى - وليس فقط في البرازيل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات