الجائحة ومخاطر الإبادة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لقد وجد العديد من المعلقين ممّن يسعون إلى فهم دونالد ترامب وسياساته وضوحاً في مفاهيم تاريخية مثل الفاشية. ومع ذلك، فإن العنصر الأكثر إلحاحاً في هذه المقارنة التاريخية، والمُتمثل في ظاهرة الإبادة الجماعية، لم يظهر بعد بشكل بارز في المناقشات العامة الأمريكية. في هذا الصدد، تخلّفت الولايات المتحدة عن البرازيل.

حيث حذّر قاضي المحكمة الفيدرالية العليا في البرازيل جيلمار مينديز في شهر يوليو الماضي من أن استجابة الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو الفاشلة لمكافحة فيروس (كوفيد 19) قد تجعل حكومته مسؤولة عن الإبادة الجماعية ضد السكان الأصليين.

ومع تجاوز حصيلة الوفيات جراء الإصابة بفيروس كورونا المُستجد في الولايات المتحدة 400.000 حالة، فقد يكون الوقت قد حان لاعتراف التيار الأمريكي السائد بإمكانيات الإبادة الجماعية الخاصة بسياسات ترامب. وكما هو الحال في البرازيل.

فقد عانت مجتمعات السكان الأصليين في الولايات المتحدة بشكل غير مُتناسب إثر اندلاع الجائحة، مما دفع الباحث نيك إستيس إلى مقارنة استجابة إدارة ترامب للإبادة الجماعية الأصلية ضد الأمريكيين الأصليين.

نحن نُشارك إستيس مخاوفه. فقد أدت الأولوية المُستمرة التي توليها الإدارة للاعتبارات السياسية على الصحة العامة إلى زيادة المخاطر على مجتمعات السود والسكان الأصليين بطرق يمكن التنبؤ بها.

بعد كل شيء، لقد أدركنا منذ أبريل الماضي أن الفيروس كان له تأثير أكبر على مجتمعات الأمريكيين الأفارقة واللاتينيين والسكان الأصليين. ومع ذلك، منذ ذلك الحين، شجّع ترامب ورفاقه الجمهوريون بشكل علني الاحتجاجات المُناهضة لعمليات الإغلاق، وشككوا في الحاجة إلى اتخاذ تدابير وقائية أساسية مثل تفويضات ارتداء أقنعة الوجه الواقية.

ونظراً للتجاهل المُتهور للصحة العامة على أعلى المستويات، فإن الولايات المتحدة والبرازيل هما الرائدتان على المستوى العالمي فيما يتعلق بحصيلة الوفيات التراكمية الناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا المُستجد. هذا ليس من قبيل الصدفة، نظرا إلى أن البرازيل قد كررت بوضوح استراتيجية ترامب السياسية.

تُعزز سياسات ترامب نفسها من خلال الدعاية والتدخل السياسي في المؤسسات المُستقلة. والنتيجة هي تدفق غير محدود من الأكاذيب ونظريات المؤامرة التي قوضت آليات مساءلة من هم في السلطة.

وقد كان لهذا النهج بالفعل آثار كارثية على الأقليات السكانية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان يمكن وصف سياسات هذه الحكومات القائمة على المعلومات المُضللة والإهمال المُتعمد بأنها سياسات إجرامية.

على الرغم من الفوضى الأولية التي شهدها العالم في أوائل عام 2020، فقد أدرك العلماء وخبراء الصحة العامة منذ فترة طويلة أن تدابير ارتداء أقنعة الوجه، والقيود المفروضة على التجمعات الشخصية، والفحوصات الطبية والتتبع على نطاق واسع، وزيادة الوعي العام يمكن أن تخفف بشكل كبير من انتشار وتأثير فيروس كورونا المُستجد.

رفض كل من ترامب وبولسونارو هذه السياسات، وقاما بدلاً من ذلك بالترويج لعلاجات فورية بينما وعدا بأن الفيروس سوف «يختفي» بكل بساطة في أقرب وقت.

وبحلول أبريل، بدأ ترامب بالفعل في الدعوة إلى استئناف الأنشطة الاقتصادية وإعادة فتح البلاد.

هذا لا يعني ضمناً أن إدارة ترامب قررت على نحو مُتعمّد اعتماد سياسة الإهمال لاستهداف الأقليات من السكان من أجل القضاء عليها. إذا كانت قد فعلت ذلك، فإن تعريف الأمم المتحدة للإبادة الجماعية ينطبق بالفعل في هذه الحالة. ولكن ينبغي تذكّر المجاعة الكبرى «هولودومور».

تتعلق هذه المسألة آنذاك والآن بمدى أهمية القرارات السياسية بالنسبة للنتيجة النهائية. في حالة فيروس (كوفيد 19)، أظهرت التقارير الاستقصائية بالفعل أن تقاعس إدارة ترامب في البداية كان مُسترشداً بالاعتبارات السياسية النرجسية وعدم الاكتراث لمُعاناة المُعارضين السياسيين.

حتى لو نتجت سياسة الإدارة عن الرغبة في إدارة التصور العام في الفترة التي تسبق الانتخابات، فإن ذلك لا يُبرر التكاليف الناتجة عن ذلك في الأرواح البشرية.

لقد حان الوقت لوضع أزمة وباء (كوفيد 19) في سياقها التاريخي المُناسب. يخوض البرازيليون هذا النقاش بالفعل، وسيتعين على الأمريكيين فعل الشيء نفسه عندما يتصالحون مع عهد ترامب وإرثه الدائم. وإلى حين حصولنا على فهم كامل لتصرفات إدارتي ترامب وبولسونارو أثناء الوباء، لا يمكن رفض الحديث عن التواطؤ في الإبادة الجماعية باعتباره غير وارد.

* أستاذ التاريخ في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية وكلية يوجين لانغ.

* أستاذ الفلسفة في جامعة ييل.

 

طباعة Email