إدارة الأزمات المستقبلية ودروس «الإغلاق»

من الواضح أن تحذير رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مؤخراً من أن رفع الإغلاق الثالث الحالي في إنجلترا لن يكون بسهولة «افتح يا سمسم»، على الرغم من انخفاض عدد الإصابات والتقدم المشجع الذي أحرزه برنامج التطعيم ضد مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19)، يجب ألّا يكون مفاجئاً لأي شخص متابع لديناميكيات الفيروس الأساسية. لماذا إذن لم تَـسـلُـك حكومة جونسون هذا النهج خلال عمليتي الإغلاق السابقتين؟

على الرغم من ميل بعض المراقبين حتى الآن إلى توجيه أصابع الاتهام إلى أخطاء ارتكبتها الحكومة، فإن التفسير الواقعي أشد تعقيداً، وهو يحمل أيضاً دروساً مهمة لإدارة الأزمات في المستقبل.

بعد أن فَـرَضَ الإغلاق الأولي في إنجلترا في الربيع الماضي كبحاً مفاجئاً وقوياً للتفاعلات الاجتماعية وتسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد، كانت حكومة المملكة المتحدة حريصة على إعادة الحيوية والنشاط إلى القطاعات التي تضررت بشدة.

اضطرت الحكومة في وقت لاحق إلى الضغط على المكابح بشدة مع ارتفاع عدد الإصابات بـ«كوفيد 19» ومعدلات الإدخال إلى المستشفيات. ولم تسلم من المشاكل الجهود المؤقتة الرامية إلى تطوير نهج توفيقي من خلال «نظام متعدد الطبقات» متباين إقليمياً من القيود ــ خاصة وأن تقييد حركة الناس كان أمراً بالغ الصعوبة. وأفضى هذا بدوره إلى إشعال شرارة تبادل اللوم، مع اعتراض كثيرين في مستهل الأمر على التغييرات المتكررة في سياسة الحكومة والرسائل المربكة حتماً التي تلت ذلك.

ولكن منذ فَـرَضَ جونسون الإغلاق الثالث في الخامس من يناير، أشارت الحكومة مراراً وتكراراً إلى أن الخروج من الأزمة في نهاية المطاف سيكون تدريجياً وبطيئاً وعُـرضة للعديد من المراجعات استناداً إلى الـعِـلم والأدلة، على الرغم من طبيعة نشر اللقاح التي غيّرت القواعد. ومن إعادة فتح المدارس إلى استئناف التجارة بشكل طبيعي، تدير الحكومة التوقعات بطريقة متماسكة وحكيمة.

يرجع التفسير الأفضل للكيفية التي توصلت بها الحكومة إلى نهجها الحالي إلى الفجوات المعلوماتية، ومنهجية المخاطر، والتسلسل الخاطئ، والميول السلوكية، والرغبة السياسية (والإنسانية) في تحقيق مكاسب مبكرة.

الواقع أن الإغراء القوي المفهوم الذي يخضع له الساسة في سعيهم إلى تحقيق مكاسب مبكرة يُـفضي في الأغلب الأعم إلى الإعلان عن «إنجاز المهمة» قبل الأوان. إن اتخاذ قرارات جيدة على نحو مستمر أثناء الأزمات وفي ظل حالة من عدم اليقين الشديد أمر بالغ الصعوبة حقاً. وبدلاً من تبني نهج «الانفجار العظيم» الحاسم، يتطلب الأمر عدداً من المراجعات وردود الفعل عند منتصف المسار في الاستجابة لتطورات سريعة على الأرض. ومن الثابت أن الرغبة القوية في تجنب ارتكاب أي أخطاء من الصعب للغاية أن تتحقق.

تتبع استجابة المملكة المتحدة المتطورة لجائحة «كوفيد 19» نمطاً ملحوظاً في العديد من الأزمات السابقة في مختلف أنحاء العالم. وهذا يسلط الضوء على الحاجة إلى الحفاظ على عقلية متفتحة، والتفكير بشكل تحليلي في ما يتصل بميزانيات المخاطر، والتمييز بعناية بين الأخطاء القابلة للإصلاح وتلك غير القابلة للإصلاح، واتخاذ خطوات مبكرة نشطة للحد من الفخاخ السلوكية الشائعة. وكلما أولينا الانتباه إلى هذه القضايا لحظياً، تعاظمت فرص تحسين أساليبنا في إدارة الأزمات في المستقبل.

*كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز،

ورئيس كلية كوينز كوليدج في جامعة كمبريدج.

 

طباعة Email