إخفاقات ودروس

إيان بوروما - كاتب ومؤرخ، وأحدث مؤلفاته كتاب «عقدة تشرشل: لعنة التميز، من ونستون وفرانكلين ديلانو روزفلت إلى ترامب والخروج البري

من المؤكد أن كل من فوجئ بالعنف والفوضى في واشنطن العاصمة لم يكن منتبهاً طوال السنوات الأربع الأخيرة، كانت المشاهد البشعة حول مبنى الكونجرس الأمريكي في السادس من يناير صادمة حقاً.

لكن المشهد الأكثر خطورة على الإطلاق كان لترامب ذاته وهو يحرض أتباعه على السير إلى مبنى الكونجرس لإسقاط نتيجة الانتخابات ومحاربة الأعداء «الأشرار» الذين سرقوا منه انتصاره. كان ذلك صادماً، لكنه لم يكن مفاجئاً، إذ كان بوسع أي شخص أن يستشعر هذا قادماً منذ تلك اللحظة في عام 2016، خلال المناظرة الرئاسية الثانية، عندما سُـئِـل ترامب ما إذا كان ليقبل نتيجة الانتخابات المقبلة، فأجاب بأن هذا يتوقف على النتيجة، بعبارة أخرى، ما كان ليقبل أي شيء غير انتصاره، وأي نتيجة أخرى كان ليعتبرها غير مشروعة، كان من الواضح آنذاك أنه لن يلتزم بالقواعد الأساسية للديمقراطية الليبرالية.

لم يكن ذلك هو الدليل الوحيد: فالصحافة الحرة كانت في نظره شرذمة من «أعداء الشعب»، وكان ينبغي لخصمته السياسية هيلاري كلينتون أن «توضع في الحبس»، وكان المهاجرون مغتصبين وتجار مخدرات، وما إلى ذلك.

السؤال الأكبر الآن هو ما إذا كان أنصار ترامب سيستمرون بما ذهبوا إليه بعد هذا اليوم: خروج القائد من السلطة، هل تتمكن الترامبية من البقاء لفترة طويلة من دون ترامب؟ إنه لا يزال يمتلك قِـسماً كبيراً من الحزب الجمهوري. وسوف يحاول الحفاظ على نفوذه .. حتى إنه قد يبني إمبراطوريته الإعلامية الصغيرة، ولكن هل يكون هذا كافياً؟ هل يدوم هذا؟ ربما تظل الترامبية باقية تحت قيادة زعيم مختلف، هذا ما يأمله سياسي مثل السيناتور تِـد كروز من تكساس.

يتوقف مستقبل الترامبية على سؤال فلسفي طال الجدال حوله، ما هو المحرك الأكبر للتاريخ: القادة العظماء، أو الظروف الاجتماعية الاقتصادية؟ مثله كمثل هتلر، يُـنـظَـر إلى ترامب غالباً، وخصوصاً من قِـبـَـل أهل اليسار، على أنه عَـرَضُ من أعراض مرض اجتماعي وليس سبباً له. الرد على هذا الرأي سهل، لقد استغل ترامب بدهاء المشاكل وأسباب السخط والاستياء التي كانت قائمة قبل فترة طويله من دخوله عالم السياسة: الهوة المتزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء، والخوف من المهاجرين، وتزايد هيمنة المدن الكبرى والتمويل على المناطق الريفية والصناعية السابقة التي جرى إفقارها، وكراهية الأقليات الـعِـرقية.

وقد استُـخـدِمَـت مثل هذه القضايا، بنجاح إلى حد ما، من قِـبَـل زعماء دهماء معاصرين أيضاً، ولكن لتحقيق النجاح، يظل هؤلاء المشغلون السياسيون في احتياج إلى استعراض قدر معين من الجاذبية، وهي ميزة غالباً ما يقلل السياسيون التقليديون من شأنها، على نحو لا يخلو من مجازفة.

بطبيعة الحال، لن يختفي الغضب، والسخط والاستياء، والمشاكل الاقتصادية التي استغلها ترامب، خصوصاً وقد نجح في جعل العلل الاجتماعية والسياسية التي تقض مضاجع أمريكا أشد سوءاً، سوف تظل الأعراض باقية، ولكن ربما في غياب العبقري الحاقد الخبيث القادر على تأجيجها.

سوف يخسر أتباع ترامب ملهمهم والقائد الذي قدسوه، ومن دون قبضة ترامب الغريبة بقدر ما هي فَـعّـالة على الحزب، ربما يواجه الجمهوريون فترة من التناحر الداخلي الشرس، والذي يحتمل أن يمزق حزبهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات