مخاطر حذف منصة ترامب

راج بيرسود - طبيب نفسي مقيم في لندن، وهو مؤلف الكتاب المرتقب بعنوان «اللقاح الذهني لمرض فيروس كورونا 2019 ــ دليل من حنكته التجارب»

راحت منصات وسائل التواصل الاجتماعي توغل أخيراً في انقلابها على دونالد ترامب. فمنذ اتهام رئيس الولايات المتحدة بتحريض أنصاره على شن هجوم عنيف على مبنى الكونغرس الأمريكي في كابيتول هل في السادس من يناير، والذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، منعته عدة منصات، من Twitter (مكبر صوته المفضل لفترة طويلة) إلى Shopify (التي باع عليها بعض السلع)، من استخدامها.

أما منصة Parler ــ المنصة التي أصبحت البوق المحبب لليمين المتطرف، وملاذ ترامب المحتمل ــ فقد أغلقت مؤقتاً بعد أن قامت شركة أمازون بإزالة موقعها من خدمات استضافة المواقع.

حظيت الجهود المبذولة لإزالة منصة ترامب الرقمية بالإشادة والثناء على نطاق واسع باعتبارها خطوة ضرورية للتخفيف من «مخاطر المزيد من التحريض على العنف»، كما جاء في بيان تويتر. لكن هل يُـفضي استبعاد ترامب من وسائل التواصل الاجتماعي إلى جعل أمريكا أكثر أماناً حقاً؟ تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الإجابة هي «كلا». فـ«النرجسيون» لا يستجيبون للاستبعاد الاجتماعي بصدر رحب.

من المؤكد أن الأمر لا يخلو من جدال كبير حول ما إذا كانت هذه التسمية تنطبق على ترامب. الواقع أن القسم 7.3 من مبادئ الأخلاق الطبية التي تصدرها الجمعية الأمريكية للطب النفسي ــ والمعروف باسم «قاعدة جولد ووتر» ــ واضح في هذا الشأن: ينبغي للأطباء السريريين أن يمتنعوا عن الإدلاء برأيهم علناً حول الصحة العقلية للشخصيات العامة التي لم يقوموا بفحصها شخصياً.

لكن العديد من علماء النفس والأطباء النفسيين قاموا بتشخيص حالة ترامب رغم ذلك، وخلصوا إلى أنه يعاني من وضع سلوكي ما، كما تصفه الكتب الأكاديمية بالضبط. وهذا الوضع يجعله حين مواجهته بالحقائق غير المريحة، يميل إلى الشعور بالتهديد والرد بعدوانية.

يلقي بعض المراقبين اللوم عن هذا الاتجاه على ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت الأدلة غير حاسمة حتى الآن.

على أية حال، من الواضح أن ترامب استخدم وسائل التواصل الاجتماعي لبناء صومعة شخصية أتباعها يتسمون بالنرجسية بشكل غير متناسب. لكن حظر ترامب من وسائل التواصل الاجتماعي لن يزيل الضرر.

لذا، ربما يكون الهجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي ضارباً بجذوره في النفسية النرجسية بقدر ما يرجع إلى أسباب سياسية على الأقل. إذا كان الأمر كذلك، فإن نبذ ترامب وأنصاره اجتماعياً قد يزيد الأمور سوءاً إلى حد كبير.

إذا كان نبذ مثل هؤلاء الأشخاص لا يُـفضي إلا إلى توجيه آلامهم العاطفية نحو المزيد من العدوانية تجاه الآخرين، فمن الأهمية بمكان أن نتأكد من أن العنف ليس المنفذ الوحيد المتاح لهم. إن الانضمام إلى الأشخاص من ذوي التفكير المماثل، سواء في التجمعات السياسية أو في المجتمعات عبر الإنترنت، من الممكن أن يساعد النرجسيين على تجنّب مواجهة مشاعر الضعف أو التعرض للخطر.

مكمن الخطر هنا إذن، هو أن تجاهل العلوم السلوكية والإصرار على إبعاد ترامب والعديد من أنصاره اليمينيين المتطرفين من وسائل التواصل الاجتماعي ربما يكون أشد خطورة من السماح لهم بالاستمرار في الانخراط في مناقشات خاضعة للإشراف عن كثب، حيث تُـزال التعليقات التي تحرض على العنف.

إن العقلية النرجسية تنطوي ضمناً على استراتيجية دفاعية نفسية تولد العنف البدني. وعلى هذا، ففي حين قد تكون تلك المناقشات على الإنترنت جالبة للمشاكل، فإنها من الممكن أن تزوّدنا بالمعادل الرقمي لصمام إزالة الضغط، الذي يسمح للنرجسيين بالتنفيس عن غضبهم ــ وبالتالي يمنع انفجاراً مميتاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات