هل بإمكان أمريكا أن تقود مجدداً؟

صورة

لقد جدد التنصيب الوشيك للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الآمال بأن إدارته «سوف تجعل أمريكا تقود مجدداً» ولو تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تحويل خصومتها مع الصين إلى تنافس بناء فإن هذا سيكون النهج الصحيح، ولكن إمكانية استعادة بايدن للقيادة العالمية لأمريكا واستدامتها تعتمد على فاعليته في معالجة التصدعات الداخلية والتعامل مع الشكوك العميقة المرتبطة بالعولمة لدى قطاعات من الناخبين الأمريكيين.

لقد تعهد بايدن مراراً وتكراراً باستعادة سمعة أمريكا ومكانتها الدولية، التي تضررت بشكل كبير أثناء فترة حكم دونالد ترامب، ومن أجل تحقيق ذلك سوف يسارع للانضمام مجدداً للمؤسسات الدولية (مثل منظمة الصحة العالمية)، والاتفاقيات الدولية (بدءاً باتفاقية باريس للمناخ)، والتي سحب ترامب الولايات المتحدة الأمريكية منها.

إن هذه التعهدات تشير إلى رؤية الولايات المتحدة الأمريكية وهي تعود لقيادة النظام العالمي الليبرالي، وهو موقع يمكنها من خلاله التنافس، والتعاون، بشكل أكثر فاعلية مع الصين، ولكن هناك ما يدعونا للاعتقاد بأن العديد من الأمريكيين لا يريدون أن يتبوأ بلدهم القيادة مجدداً.

إن انتصار بايدن الانتخابي في نوفمبر لا يعني إلحاق هزيمة نكراء وحاسمة بترامب وسياساته الشعبوية السامة كما توقع الليبراليون. نعم، لقد تمكن بايدن من الحصول على 81 مليون صوت، أي أكثر من أي مرشح للرئاسة الأمريكية في التاريخ، ولكن ترامب حصل على أكثر من 74 مليون صوت - ثاني أعلى رقم على الإطلاق - كما زاد حصته من أصوات الأقليات مقارنة بسنة 2016 ولقد حصل هذا على الرغم من عرض غير مسبوق للفضائح وجائحة تمت إدارتها بشكل كارثي.

ما الذي يفسّر شعبية ترامب الدائمة؟ إن هناك تفسيراً ذكره بيتر سينغر في نوفمبر، وهو أن حوالي نصف أمريكا تقريباً قد «خسرت روحها». إن من المؤكد أن هذا التشخيص ينطبق على العناصر الأكثر إزعاجاً من قاعدة ترامب الانتخابية، والتي تتضمن القوميين البيض والنازيين الجدد، الذين اقتحموا مبنى الكابيتول هيل في 6 يناير الجاري، وحتى أولئك الذين لا ينتمون إلى هذه الفئة صوتوا لصالح رئيس عنصري بشكل صريح، والذي رفض التنديد بتفوق العرق الأبيض.

لكن على الرغم من ذلك فإنه لا يجوز أن نبسّط الأمور، وذلك من خلال وصف الدعم الذي حصل عليه ترامب بأنه بمثابة دعم للتعصب الأعمى، حيث من الجدير ذكره أن 6% من أولئك الذين صوتوا لترامب سنة 2016 صوتوا لباراك أوباما سنة 2012، كما حصل ترامب على عشرة ملايين صوت أكثر سنة 2020 مقارنة بسنة 2016.

يستمد ترامب الدعم من مجموعة متنوعة من المصادر ومن بينها العنصرية وكراهية الأجانب، وكذلك من الغضب بين الناخبين في المناطق الريفية والطبقة العاملة، بسبب توقف دخلهم عن الزيادة وتزايد عدم المساواة. إن بعض الناخبين الآسيويين انخدعوا بموقفه المتشدد تجاه الصين. إن كون ترامب من خارج المنظومة السياسية جعله يتمكن من استغلال الاستياء تجاه المؤسسة السياسية واختراق جهاز الحزب الجمهوري، وإعادة تقديم نفسه كبطل بالنسبة للناس الذين يشعرون بالاستياء من الأوضاع الحالية.

لقد تم تضليل هؤلاء الناخبين حتى يضعوا ثقتهم في ترامب، والذي لم يكن ينوي على الإطلاق التعامل مع مظالمهم بشكل حقيقي، وليس لديه أي حرج في تحريضهم على التمرد ومن ثم التخلي عنهم. إن العولمة من العوامل الهيكلية التي سهّلت من مهمة ترامب والمتعاونين معه في خداع الناخبين، والتي أدت إلى وجود العديد من الخاسرين إلى جانب الرابحين.

إن قائمة الرابحين تتضمن أسماء شركات كبيرة، تمكنت من تحويل تصنيعها إلى مواقع أرخص، مما أدى إلى زيادة كبيرة في هامش الربح لديها وتعزيز الاقتصادات النامية - وخاصة الصين - التي انتقلوا إليها. أما قائمة الخاسرين فتتضمن ملايين الأمريكيين العاملين في التصنيع، والذين فقدوا وظائفهم. ولو أضفنا لذلك إرث أمريكا من العنصرية وانتشار الأخبار المزيفة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ فستصبح النتيجة وضعاً قابلاً للاشتعال.

ليس فقط الطبقة العاملة التي تشعر أنها ضللت بسبب العولمة، وبينما يتحول مركز الثقل الاقتصادي إلى القوى الصاعدة مثل الصين، فلقد أصبح لتلك البلدان نفوذ أقوى في المؤسسات الدولية والتي من المفترض أن تمثل جميع البلدان وليس فقط الدول التي صاغت تلك المؤسسات، وبالنسبة للعديد من صناع السياسات الأمريكيين فإن هذا غير مقبول، فلو كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل تكاليف استدامة النظام العالمي حسب اعتقادهم، فإنه يتوجب عليها التحقق من خدمة مصالحها أولاً.

لقد أوفى ترامب بوعوده المتعلقة «بأمريكا أولاً» وسحب الولايات المتحدة من التزاماتها السابقة المتعلقة بقيادة العالم، وخفّض من مشاركتها الخارجية، وقام ببناء جدار، مما يعني أن ترامب نفذ رغبات ناخبيه، لكن سياسته أدت في نهاية المطاف إلى عواقب لا تستطيع القيادة الأمريكية قبولها، وهي صعود نجم الصين، حيث تقدمت لملء الفراغ في القيادة والتي تركته الولايات المتحدة الأمريكية خلفها.

ولقد جاء الرد من إدارة ترامب من خلال تصويرها للصين على أنها العدو اللدود لأمريكا، حيث أطلقت حرباً تجارية مدمرة وفرضت عدداً كبيراً من العقوبات، وبالنسبة لبكين فإن مثل هذه العداوة أكدت الشكوك طويلة الأمد لديها بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل صعودها بدون قتال، وعليه كانت ردة فعلها دفاعية، ولغاية الآن لم يتم كسر الحلقة المفرغة التي نتجت عن ذلك من انعدام الثقة والعداوة.

بالنسبة لإدارة بايدن فإن هناك درسين بارزين وهما: أولاً لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تفعل الشيء ونقيضه في نفس الوقت. فهي لا تستطيع الانسحاب من القيادة العالمية، وترفض في الوقت نفسه السماح للآخرين بأن يحلوا محلها، ولو أصرت على ذلك فإن النتيجة هي المواجهة وسياسة حافة الهاوية. ثانياً، إن الاشتباك الأمريكي مع الصين خلال السنوات الأربع الماضية كلم يكن فقط طلاقاً لذلك البلد، بقدر ما كان طلاقاً للعولمة.

إن هذا يعني أنه لو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتبوأ مجدداً الدور القيادي الذي سوف يمكنها من المنافسة بشكل بناء مع الصين - والاحتفاظ به لفترة أطول من دورة انتخابية - سيتوجب على إدارة بايدن التعامل مع انعدام المساواة والتكاليف التي تسببت بها العولمة وإلا فإن ترامب - أو ما هو أسوأ من ذلك أي نسخة أكثر كفاءة من ترامب - سوف يتمكن من استعادة الرئاسة في 2024 أو 2028 وعكس أي تقدم تحققه إدارة بايدن في الفترة الرئاسية القادمة.

 

 

طباعة Email