عشر ساعات صدمت أمريكا

صورة

من المؤكد أن التمرد الذي حصل في 6 يناير في مبنى الكابيتول الأمريكي لا يتمتع بمكانة وجاذبية اقتحام القصر الشتوي في روسيا إبان الثورة البلشفية سنة 1917.

إن الغوغاء وبتحريض على التقدم نحو مبنى الكابيتول الأمريكي، نجحوا في تعطيل عمل لجنة مشتركة للكونغرس للتأكيد على تصويت المجمع الانتخابي لمصلحة الرئيس المنتخب جو بايدن ولكن البرلمانيين واصلوا بعد ذلك أداء واجبهم الدستوري وسيجري تنصيب بايدن في العشرين من يناير.

إن المتمردين لم يكونوا منضبطين على الإطلاق مقارنة بكوادر لينين البلشفية من الجنود الثوريين المسلحين والبحارة، فالغالبية كانوا من محاربين وهميين ربما، وكانوا مهتمين بالحصول على صورة سيلفي جيدة في مبنى الكابيتول، بقدر اهتمامهم بالإطاحة بالحكومة الأمريكية وإعلان ترامب كرئيس باق في دورة جديدة، وذلك رغم أنه غير منتخب فيها.

لقد كان هذا التمرد محل أوصاف كثيرة مهمة حددت طبيعته وعدم جدواه وتأثيره.

لكن أفعال المتمردين البائسة سيكون لها تداعيات ثورية على صورة أمريكا الذاتية ومكانتها في العالم فلأول مرة في تاريخ البلاد، يقوم رئيس أمريكي خاسر في الانتخابات باستدعاء الغوغاء لترهيب الكونغرس من أجل إبقائه بالسلطة وذلك من خلال انتهاك الدستور الأمريكي، وطبعاً تجدر الإشارة هنا إلى أنه وبدعم وتحريض من الصحافة اليمينية وأعضاء الحزب الجمهوري فإن فترة حكم ترامب أضرت الديمقراطية والمؤسسات والأعراف.

لقد قام المشاغبون بتكسير النوافذ والتغلب على شرطة الكابيتول قبل أن يتمكنوا من اقتحام مقار مجلس الشيوخ ومجلس النواب ما أجبر أعضاء الكونغرس وموظفيهم على الإخلاء وقد ادت تلك الاحداث إلى وقوع قتلى وجرحى، علاوة على الضرر الذي لحق بمبنى الكابيتول.

إن الانقلابيين الذين اشتهروا بسوء سمعتهم على مر التاريخ كانوا عادة ما ينجحون لأن الأبواب كانت مفتوحة أمامهم بالفعل.

لقد اعتقد ترامب أنه بعد أربع سنوات من هجماته على المؤسسات التمثيلية الأمريكية أن تلك المؤسسات تفتقد الإرادة اللازمة للدفاع عن نفسها وإلا كيف يمكن أن نفسّر جهوده للضغط على المسؤولين في اريزونا وميشيغان وجورجيا «لإيجاد» أصوات كافيه لجعله يفوز؟

وبدلاً من أن يتلقى ترامب رفضاً رسمياً متكرراً كإشارة إلى أن الجمهورية الأمريكية غير مستعدة لأن تسقط. وبطبيعة الحال، فإن الكثير من الأبعاد والقضايا ستنتج عن هذه الحادثة، ولكنها لن تقوض أي ركن في مبنى المؤسسات الحيوية بأمريكا.

إن المشهد الحزين في مبنى الكابيتول كان أيضاً نتيجة لتحريض من قبل برلمانيين جمهوريين مثل بعض أعضاء مجلس الشيوخ ..وحوالي ثلاثة أرباع الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب حيث أعلنوا الاعتراض على الأصوات التي تم التصديق عليها حسب الأصول من قبل حكومات الولايات. إن تصديقهم لنظريات مؤامرة مجنونة عن «تزوير إرادة الناخبين» أعطى ترامب – الجرأة الكافية لتحريض الغوغاء.

لكن هذا التجمع وتلك الأصوات وما ذهبت إليه، ليس من السهل أن تقنع المتمعن بواقع المسيرة السياسية الأمريكية، والقارئ لتاريخ الديمقراطية في البلاد.

وحري بنا هنا ان نلفت إلى أن زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وبقية أعضاء الحزب الجمهوري كانوا يغضون الطرف عن محاولات ترامب الحط من قدر الرئاسة الأمريكية ولاحقاً لمحاولة عزل ترامب في العام الماضي من قبل مجلس النواب صوّت أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين على تبرئته وبعد ذلك قاموا في بداية الأمر بإضفاء المصداقية على مزاعمه الكاذبة بتزوير الانتخابات.

وبينما اقتحمت الغوغاء من مبنى الكابيتول، استمر كثيرون من أصحاب هذه التوجهات، في نشر كذبة أن الديمقراطيين هم من قاموا بتقويض الديمقراطية الأمريكية أولاً، وبالمثل فإن عضواً في مجلس الشيوخ عبّرت لسنوات عن مخاوفها من سلوك ترامب، ولم تقاوم بينما شن هو حرباً على المؤسسات الأمريكية خلال فترة رئاسته الأولى والوحيدة.

إن أولئك السياسيين الذين يفتقدون للشجاعة سوف يعيشون وهم مقتنعون بقرارة أنفسهم أنهم غير أمينين بحق على الديمقراطية في البلاد، وهذا ينطبق كذلك على كل صحفي عامل في وسيلة إعلامية كان لها كبير الدور في الدعاية لترامب كما ينطبق ذلك أيضاً على بعض البارزين في منصات التواصل الاجتماعي والذين كانوا مثل خراطيم النار في نشر التضليل والأكاذيب.

إن أمريكا تجد نفسها الآن وهي تواجه شيئاً لم يحصل منذ زمن ابراهام لنكولن وهو رفض النظام الدستوري من قبل أعداد كبيرة من الناخبين وبينما شاهد خصوم أمريكا أحداث 6 يناير وهم يشعرون بالابتهاج، شاهد أصدقاء وحلفاء أمريكا الكثيرون حول العالم تلك الأحداث وهم يشعرون بالاستياء.

مثل لنكولن، سيحتاج بايدن الآن إلى مواجهة هذا التحدي الوجودي المحلي بشكل مباشر، وهناك شيء واحد مؤكد بالفعل: لن يتم تهدئة التمرد الترامبي بخطابات تهدئة حول المضي قدماً ونسيان الماضي ومن دون محاسبة المذنب. أما بالنسبة لترامب والحزب الجمهوري فيجب الآن تطبيق الحقيقة المرة المذكورة في سفر الأمثال 11:29 من الكتاب المقدس «من يكدر بيته يرث الريح».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات