الاختراق الأوروبي الصيني في نهاية العام

صورة

تستحق المفوضية الأوروبية، الثناء والإشادة، بعد أن وضعت اللمسات الأخيرة على اتفاقية استثمارية جديدة مع الصين. لعبت الدبلوماسية الأوروبية النشطة أيضاً، دوراً مهماً في التزام الصين، مؤخراً، بتحقيق هدف الحياد الكربوني بحلول عام 2060 ــ وهو القرار الذي سرعان ما تبعه تعهد اليابان بإزالة الكربون بحلول عام 2050. والآن حققت أوروبا نجاحاً كبيراً آخر.

الواقع أن اتفاقية الاستثمار الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والصين، ستعود بالفائدة على الصين، والعالم، بل وحتى الولايات المتحدة، على الرغم من تحذيرات الأخيرة ضدها. في عموم الأمر، تدل الاتفاقية على اعتزام الاتحاد الأوروبي والصين، مواصلة تعميق العلاقات الاقتصادية، من خلال منح كل من الطرفين القدرة على الوصول الثابت المضمون بدرجة أكبر إلى الاستثمارات في اقتصاد الطرف الآخر.

فسوف تحظى الصناعة الأوروبية بقدرة أكبر على الوصول إلى السوق المحلية الهائلة في الصين، في وقت، حيث تشرع الصين في إدارة عَـقـد من إعادة بناء الاقتصاد الأخضر والرقمي، وحيث تجاهد أوروبا للبقاء في الصدارة التكنولوجية في هذه المجالات.

لا شك أنه يتعين علينا أن نتحرى الوضوح هنا وإدراك ان الصين قوة عالمية مؤثرة ومهمة، وعلىالجميع التعاون الفاعل معها. بعد المآسي التي أحاطت بعام 2020، يحتاج العالم إلى تعاون عالمي متجدد، وليس حرباً باردة جديدة، تشعلها الولايات المتحدة. لقد حان الوقت لوضع الجائحة تحت السيطرة، ورسم مسار جديد نحو التعافي والتنمية المستدامة. والصين قادرة على المساهمة كشريك كامل في التصدي لهذه التحديات.

فقد نجحت الصين، رغم كل شيء، على النقيض من الولايات المتحدة وأوروبا، في قمع جائحة مرض فيروس «كورونا» 2019 (كوفيد 19)، في عام 2020 (كما فعل أغلب جيرانها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ).

والآن، ينبغي للصين والدول المجاورة لها، أن تعين بقية العالم على تنفيذ التدخلات غير الدوائية (إجراء الاختبارات، وتتبع المخالطين، والحجر الصحي)، التي نجحت في حين فشلت السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة وأوروبا. وفي هذا السياق، يجب على الصين أن تبدأ توزيع اللقاحين الجديدين، سينوفاك وسينوفارم،على نطاق واسع، في مختلف أنحاء العالم.

كما ينبغي للاتحاد الأوروبي، والصين، وإدارة الرئيس المنتخب جو بايدن في الولايات المتحدة، توحيد القوى، لرسم خريطة للتعافي العالمي الأخضر والرقمي. والآن، مع سعي الجهات المصدرة لأكبر مقادير من الانبعاثات الغازية الضارة، إلى تحقيق هدف الحياد الكربوني، ومع تخطيط بايدن لإعادة الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ، وإلزام الولايات المتحدة بإزالة الكربون بحلول عام 2050، أصبح لدينا كل ما يؤهلنا لتحقيق التعافي الأخضر الواسع النطاق حقاً.

علاوة على ذلك، من الواضح أن تطوير ونشر التكنولوجيات الخضراء الجديدة ــ الطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، وتخزين البطاريات ــ سيستفيد بشكل هائل من التعاون العالمي. على سبيل المثال، في هذا الأسبوع، وقعت مجموعة ياهوا (Yahua) في الصين، وهي مُـنـتِـج رئيس لهيدروكسيد الليثيوم، على عقد لتزويد تسلا (Tesla)، وهي شركة لتصنيع المركبات الكهربائية، مقرها الولايات المتحدة، بمدخلات إنتاج البطاريات لمدة خمس سنوات.

تتوفر فرص مماثلة مع التكنولوجيات الرقمية. ففي عالم، حيث أصبح الوصول الرقمي ضرورة حاسمة للمشاركة الاقتصادية، تَـعِـد تكنولوجيات الجيل الخامس من شبكات الاتصال، بحلول رائدة لمجموعة من التحديات، من تحسين كفاءة استخدام الطاقة، إلى توسيع نطاق التجارة الإلكترونية والصحة الإلكترونية. وما يدعو إلى التفاؤل أن معاهدة الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، ستساعد في دفع التعاون الرقمي، وهو ما قد يعطي دَفـعَة كبيرة للتنمية المستدامة.

من الأهمية بمكان، مع ذلك، أن تستمر أوروبا في مقاومة الضغوط الأمريكية على الصين. كان سلاح ترامب الرئيس ضد الصين، متمثلاً في قطع تصدير التكنولوجيات المتقدمة، على أمل إخضاع هواوي وغيرها من شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى. يأتي هذا التحرك مباشرة، من كتاب قواعد لعبة الهيمنة الأمريكية، وقد جرى تطبيقه ضد الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة.

إن أوروبا محقة في الانخراط بنشاط وعمق، وعلى نحو بَـنّـاء مع الصين، في حين تضع في الحسبان أيضاً، اهتمامها الثابت الذي يستحق الإعجاب، بتعزيز حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم. وينبغي لإدارة بايدن، أن تقاوم نزعة الهيمنة، وأن تستأنف بدلاً من ذلك العلاقات البَـنّـاءة مع الصين.

في الوقت الحالي، تُـعَـد اتفاقية الاستثمار الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والصين، طريقة طيبة لإنهاء عام كئيب. إذ يؤكد الاتحاد الأوروبي على امتيازاته اللائقة في عالم السياسة الخارجية، بشكل مستقل عن الولايات المتحدة. ولكن ينتظرنا المزيد من التحديات في عام 2021، عندما يكون العالم في احتياج شديد إلى تغيير المسار لإنهاء الجائحة، والمضي قدماً على مسار التنمية المستدامة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات