لأجل الديمقراطية في أمريكا

قبل عام واحد، كان الفقهاء القانونيون والخبراء والمثقفون يتجادلون حول ما إذا كان عزل رئيس أمريكي مسألة قانونية أو سياسية. إنها كلا الأمرين بطبيعة الحال، ولا حَـرَج في الشِـق السياسي.مع بقاء فترة بسيطة قبل أن يحل جو بايدن محل دونالد ترامب في البيت الأبيض، عادت القضية إلى الظهور مرة أخرى، حيث أوضحت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أن الرئيس لابد أن يرحل إما بواسطة حكومته، من خلال التعديل الخامس والعشرين، أو عن طريق إجراءات العزل.

يمثل التمرد العنيف الذي شهده مبنى الكونجرس الأمريكي، شيئاً جديداً في التاريخ الأمريكي. ورغم أن بايدن سيجري تنصيبه في العشرين من يناير، فإن مكتب الرئاسة من غير الممكن أن يظل آمناً في يدي ترامب.

الواقع أن الكونجرس لديه الحق، ولكن ليس الواجب، في عزل الرئيس. في بعض الأحيان، قد يتسامح المشرّعون ببساطة مع بعض المخالفات الرئاسية، إذا خلصوا إلى أن تكاليف ملاحقة المزيد من الإجراءات قد تفوق الفوائد المترتبة على ذلك. لكن هذا لا ينطبق على حالتنا هذه.

كما يبعث التصرف المتمثل في معاقبة مسؤول عام رسالة حول الالتزامات الأخلاقية التي يجب أن يتقيد بها نظام الحكم. من خلال التصويت لصالح تبرئة ترامب العام الماضي، بعد أن بدأ مجلس النواب إجراءات توجيه الاتهام إليه وعزله بسبب فضيحة أوكرانيا، أشار الجمهوريون في مجلس الشيوخ إلى أنهم متمسكون به، مهما كلفهم الأمر.

قد يخشى بعض المراقبين أن تؤدي إجراءات العزل الثانية والحظر الدائم إلى استفزاز «قاعدة» ترامب. لكن هذه الحجة لم تعد صالحة. فبغض النظر عما يفعله أو لا يفعله الديمقراطيون أو الجمهوريون، مثل السيناتور مِـت رومني، لن يتورع ترامب ومشجعوه في وسائل الإعلام اليمينية عن التحريض على الحركة على أية حال.

الخطوة الحاسمة هنا ليست تنحية ترامب وحسب، بل وأيضاً منعه من ممارسة السياسة. ورغم أن هذا يستلزم فرض قيود دائمة على الحقوق السياسية الأساسية للفرد، فإن العديد من الديمقراطيات تسمح بمثل هذا الاحتمال. على سبيل المثال، بموجب القانون الأساسي الألماني، من الممكن أن يخسر أولئك الذين يسيئون استخدام حرية التعبير وغير ذلك من الحريات الأساسية من أجل تقويض الديمقراطية الليبرالية حقوقهم. لم يسبق تطبيق هذا الحكم بنجاح قَـط رغم ذلك، وهو ما يرجع جزئياً إلى حقيقة مفادها أن النازيين الجدد الذين نُـظِـر في أمر حرمانهم من حقوقهم بشكل دائم كانوا أُخـرِجـوا بالفعل من التداول السياسي بسبب إدانتهم جنائياً.

من المؤكد أن الحظر الدائم يتعارض مع الافتراض الأساسي للديمقراطية: من الممكن أن يغيّر الناس معتقداتهم وآرائهم. وعلى عكس تأكيد هيلاري كلينتون في خطابها سيئ السمعة في عام 2016 عندما وصفت قاعدة ترامب بأنها «سلة من البائسين»، لا أحد «غير قابل للإصلاح» تماماً. فإذا كنت واحداً بين أشخاص كثيرين يفضلون إعادة حقوق التصويت للمجرمين المدانين، فكيف يمكنك تبرير فرض الحظر ضد شخص مثل ترامب؟ فماذا لو تاب ترامب وأناب وأعاد النظر في مواقفه؟ ألا ينبغي لنا أن نتحرى موقفاً متسقاً في رفض حظر أي شخص بشكل دائم؟

* أستاذ السياسة في جامعة برينستون، وزميل معهد برلين للدراسات المتقدمة، ومؤلف الكتاب المرتقب «الديمقراطية تحكم».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات