تفاؤل مستحق بالعام الجديد

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

كان 2020 عاماً مروعاً، حيث شهد اندلاع جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، وانتكاسات اقتصادية في مختلف أنحاء العالم، وانتشار كوارث مرتبطة بالمناخ على نطاق واسع، واضطرابات اجتماعية منتشرة، بل وحتى المزاعم الزائفة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تزوير انتخابي ضخم والدعوات بين أنصاره إلى فرض الحكم الـعُـرفي. مع ذلك، وعلى الرغم من الأنباء الكئيبة، فقد جلب العام أيضاً بعض الأسباب القوية للتفاؤل. في العام الجديد، سيكون بوسعنا أن نُـرسي الأساس لعصر جديد من التنمية المستدامة، والسلام، والتعاون.

كان السبب الأول للتفاؤل متمثلاً في نجاح العديد من البلدان في قمع جائحة كوفيد 19. فقد عملت بلدان متنوعة ثقافياً وسياسياً في مختلف أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل أستراليا، والصين، وكوريا الجنوبية، ولاوس، ونيوزيلندا، وفيتنام، على نشر استراتيجيات الصحة العامة الفـعّـالة لاحتواء الجائحة. وكذا فعلت بعض البلدان في مناطق أخرى، بما في ذلك في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. وفي حين هيمنت على العناوين الرئيسية أوجه القصور الكارثية في الاستجابة للجائحة في الولايات المتحدة وأوروبا، تُـثـبِـت لنا النجاحات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ومناطق أخرى كيف يمكن حل التحديات الكبرى والملحة من خلال تركيبة تتألف من الحكم الرشيد، والمواطَـنة المسؤولة، والسياسات القائمة على الأدلة.

يتمثل السبب الثاني للتفاؤل في وصول لقاحات جديدة، والتي هي ليست فقط مصدراً لأمل عظيم في إنقاذ الأرواح ووقف انتشار الفيروس، بل تشكل أيضاً دليلاً على قوة العلم الحديث وقدرته على تحقيق اختراقات تكنولوجية في وقت قياسي. كان تطوير اللقاح تجسيداً لـ«نهج الرسالة» الذي تمثل في استهداف البحث والتطوير في إطار جهد مشترك بين القطاعين العام والخاص. ومن الأهمية بمكان أن نستعين بذات النهج في التعامل مع تحديات عالمية أخرى، مثل تعزيز الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والحفاظ على التنوع البيولوجي.

أما السبب الثالث للتفاؤل فيتمثل في هزيمة ترامب بشكل حاسم في الانتخابات. الواقع أن ترامب، مثله في ذلك كمثل العديد من الزعماء الشعبويين في الماضي والحاضر، كان قادراً على اجتذاب جمهور واسع بدعم من وسائل الدعاية الجماهيرية، وخاصة قناة فوكس نيوز لصاحبها روبرت مردوخ. ومع ذلك، كان بوسع العدد الكافي من جماهير الناس رصد وفضح الأكاذيب ومحاولات التشهير والتشويه، مما عمل على تمكين الولايات المتحدة من إعلان بداية جديدة بعد عهد ترامب الكارثي الذي اتسم بالعجز والكراهية والأكاذيب.

ساهمت سياسات ترامب في وفاة أكثر من 330 ألف أمريكي بمرض فيروس كورونا في عام 2020، وهو ما يقرب من رُبـع الوفيات على مستوى العالم بسبب الفيروس، برغم أن الولايات المتحدة تمثل 4% فقط من سكان العالم. أفضى سوء تعامل ترامب على هذا النحو الكارثي مع جائحة كوفيد 19 في نهاية المطاف إلى هزيمته في الانتخابات، ومع ذلك حاول ترامب التشبث بالسلطة من خلال إطلاق ادعاءات يائسة متوهمة حول تزوير أصوات الناخبين على نطاق واسع. ولكن لحسن الحظ، استبسل عامة الناس والمؤسسات في الولايات المتحدة ــ رؤساء المدن، والمحافظون، والهيئات التشريعية على مستوى الولايات، والمحاكم، والمؤسسة العسكرية ــ في مقاومة نزعات ترامب الاستبدادية، وعلى هذا فسوف يجري قريبا تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن، الرجل المحترم الشريف المتعقل.

يكمن السبب الرابع للتفاؤل في أداء الأمم المتحدة القوي، على الرغم من الرياح المعاكسة القوية في عام 2020. نشأت الأمم المتحدة قبل 75 عاما على يد أعظم رؤساء أمريكا، فرانكلين ديلانو روزفلت، كحصن ضد الحروب في المستقبل. تدافع الأمم المتحدة عن الركائز الثلاث التي تقوم عليها التعددية: السلام، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة. في عام 2020، كان أداء الأمم المتحدة يستحق الإعجاب على الجبهات الثلاث، على الرغم من الاستفزازات من قِـبَل إدارة ترامب.

يقود هيئات الولايات المتحدة اليوم رجال ونساء من ذوي المهارات العظيمة والنزاهة، وقد تولى الأمين العام أنطونيو غوتيريش توجيه المنظمة بقدر عظيم من المهارة والبصيرة خلال العام الأشد قسوة وصعوبة منذ تأسست. في العام الجاري ستستضيف الأمم المتحدة العديد من التجمعات العالمية الحاسمة ــ حول المحيطات، والتنوع البيولوجي، والأنظمة الغذائية، والمناخ ــ التي من الممكن أن تُـرسي معاً الأساس لعقود من التعاون الدولي بشأن التنمية المستدامة.

السبب الخامس للتفاؤل هو الثورة الرقمية، البطل الرائد غير المعلن في الاستجابة العالمية للجائحة. لقد ساعدت الأنشطة عبر الإنترنت العالم على الاستمرار في العمل. ففي غضون بضعة أسابيع، تحولت الشركات، والمدارس، والتمويل، والحكومة، والتجارة، والمدفوعات، ومقدمو الرعاية الصحية، ونظام الأمم المتحدة إلى العمل على الإنترنت بمعدل ونطاق وعمق يتجاوز الخيال حتى تلك النقطة. كما لعبت التكنولوجيات الرقمية دوراً مباشراً في مكافحة الجائحة، من خلال توفير المعلومات، ومراقبة أنماط انتقال عدوى المرض، وتوفير خدمات النظام الصحي المتعددة.

من الواضح أن العالَـم الرقمي الجديد لم يكن جَـنّـة خالصة. من المحزن أن نصف العالم لا يزال يفتقر إلى القدرة على الوصول إلى الإنترنت. ونتيجة لهذا، أدى التحول السريع في العمل، والمدرسة، والحياة الاجتماعية، والتجارة، والترفيه على الإنترنت إلى تفاقم أوجه التفاوت الهائلة بين من يملكون الإنترنت ومن لا يملكون. علاوة على ذلك، أفضت التكنولوجيات الرقمية إلى ظهور أمراض اجتماعية جديدة وخطيرة، بما في ذلك اختراق الأنظمة على نطاق واسع، والأخبار الزائفة، والحرب السيبرانية، والمراقبة غير المبررة من جانب الحكومات والشركات الخاصة.

الواقع أن وجهي العصر الرقمي، الإيجابي والسلبي، يجسدان الوضع الذي يواجهنا على العديد من الجبهات. ربما يكون بوسعنا أن نشعر بالتفاؤل عندما نعلم أن التكنولوجيات والمعرفة العلمية الأكثر تطوراً في العالم تمكننا من حل مشكلات عالمية مُـلِـحّـة. ومع ذلك، يجب أن نكون يقظين لمنع قوى الجشع والجهل والكراهية من اختطاف التكنولوجيات الجديدة لتحقيق أغراضها الخفية.

كان قدماء الفلاسفة الإغريق يعتقدون أن السياسة والأخلاق يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. وكتب أرسطو اثنين من أعظم أعماله، «الأخلاق النيقوماخية»، و«السياسة»، كدراستين مترافقتين، الأولى كدليل يقود الإنسان إلى السعادة، والثانية كمرشد إلى الكيفية التي تستطيع بها السياسة أن تعمل على تعزيز السعادة في الدولة المدينة الإغريقية (بوليس).

في عصرنا هذا، قدم البابا فرانسيس الثاني منشورين باباويين عظيمين، الأول بعنوان «Laudato si» في عام 2015، والثاني بعنوان «Fratelli tutti» في عام 2020، لإظهار كيف يمكن أن تساعد الأخلاق في توجيه العالم نحو الاستدامة البيئية والسلام العالمي. يعرض المنشور الجديد وصفاً عميقاً للكيفية التي يمكننا من خلالها الوصول إلى ما هو أبعد من أسرنا ومجتمعاتنا لبناء الحوار والثقة حول العالم.

لكل هذا، ينبغي لنا أن نتفاءل، لكن بحذر في 2021. ولنعقد العزم على تمديد نجاحات الصحة العامة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ واللقاحات الجديدة التي جرى تطويرها في الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين لكي يستفيد منها العالم بأسره. يتعين علينا أن نعقد العزم على تنحية الأحقاد والكراهية التي قوضت التعاون الدولي، ولنوحد قوانا للتغلب على التفاوت بين الناس، والفقر، والاستبعاد، والدمار البيئي الذي يهدد العالم أجمع. يجب أن نضاعف جهودنا في دعم الأمم المتحدة، لبناء مستقبل قائم على السلام، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة. وأخيراً، أوجه كلامي إلى أهل الولايات المتحدة: ينبغي لنا أن نبدأ في مداواة أمة جريحة ومنقسمة.

* أستاذ التنمية المستدامة وسياسات الصحة والإدارة في جامعة كولومبيا، ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات