أوروبا بعد خروج بريطانيا

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

«لم تتأسس الأمم المتحدة إلا لإنقاذ الإنسانية من الجحيم»، هكذا قال أول أمين عام للأمم المتحدة، داج همرشولد، ذات يوم. كان يقصد بالجحيم، بالطبع، الحرب العالمية الثانية والمحرقة، التي بجانبها تتضاءل معظم تحديات اليوم بالمقارنة. ولكن على الرغم من ذلك، أفضى عدد من أسباب الارتباك والاضطرابات، مثل جائحة مرض فيروس «كورونا» (كوفيد 19)، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى التشكيك في العديد من المعتقدات التي اعتبرها الأوروبيون في السابق من الأمور الـمُـسَـلَّـم بها.

بفضل قيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل داخل الاتحاد الأوروبي، نجحت أوروبا في اجتياز المحن التي صاحبت عام 2020، سالمة نسبياً. الواقع أن المهمة التي أدتها في الرئاسة الدورية للمجلس الأوروبي خلال النصف الثاني من العام، سوف تُـذكَر في الأرجح، باعتبارها واحدة من أعظم النجاحات السياسية في تاريخ أوروبا بعد الحرب.

عندما اندلعت الجائحة في الربيع الماضي، بدا الأمر وكأن كل بلد عضو في الاتحاد الأوروبي، سيتولى تدبر أمره بذاته.

في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أعطى ظهور سلالة شديدة العدوى من فيروس «كورونا» في المملكة المتحدة، البريطانيين والأوروبيين، لمحة مما كان ليحدث لو لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الخروج البريطاني في يوم الكريسماس. فقد أُغـلِـقَـت المعابر الحدودية بين أوروبا والمملكة المتحدة على نحو مفاجئ، ما أدى إلى اصطفاف الشاحنات لأميال في المطارات التي أُخـرِجَـت من الخدمة.

ربما يكون بوسعنا أن نصف اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، على أنها الأفضل بين مجموعة من الخيارات السيئة. يعود الفضل في التوصل إلى هذه الاتفاقية، إلى الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

رَحَّـب قادة الاتحاد الأوروبي بالاتفاق، لأنهم يدركون أن خروج بريطانيا ألحق الضرر بالاتحاد بالفعل. فبسبب خبرات المملكة المتحدة الجيوستراتيجية، وقدراتها الكبيرة (وخاصة ترسانتها النووية)، كان من الأهمية بمكان، من منظور أوروبا، تجنب التمزق أو قطع العلاقات بشكل كامل.

ولكن بصرف النظر عن الخروج البريطاني، يعاني الاتحاد الأوروبي أيضاً من انقسام داخلي حول السياسة الاقتصادية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات. وكما لو أن هذه التحديات لم تكن كبيرة بالقدر الكافي، كشفت تطورات الأحداث في الأسابيع الأخيرة، عن خلاف متزايد العمق بين فرنسا وألمانيا. كان هذان المحركان التقليديان للوحدة الأوروبية، يدفعان صندوق التعافي الجديد للاتحاد الأوروبي، ما أفضى، بالتالي، إلى تأمين التماسك بين البلدان الأعضاء في الجنوب والشمال. لكن الجدال الدائر في الاتحاد الأوروبي حول السياسة الخارجية والأمنية، الذي يقوده في الأساس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فَـتَـحَ صدعاً بشأن مسألة موقف أوروبا الاستراتيجي.

من خلال دعوته إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، يرد ماكرون على سعى أمريكا إلى فك الارتباط بينها وأوروبا، وإعادة توجهها نحو منطقة المحيط الهادي والهندي والصين.

من المؤكد أن الامتناع الاستراتيجي الألماني، هو الذي مكن المشروع الأوروبي في المقام الأول. لكن الأمور تغيرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والحقيقة هي أن الاتحاد الأوروبي، من غير الممكن أن يتحول إلى قوة جيوسياسية ذات مصداقية، دون أن تسهم ألمانيا بكامل وزنها الاقتصادي والسياسي، بل وأيضاً العسكري. المشكلة بطبيعة الحال، هي أن العديد من الألمان أنفسهم، ما زالوا متشككين في «البُـعد الجيوسياسي» ــ أو ما زالوا متمسكين بحس التفوق الأخلاقي الذي يجعلهم غير راغبين في الدفاع عن المصالح الأوروبية.

في هذا السياق، كان الفرنسيون محقين تماماً في إطلاق الحوار حول الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. والآن أصبحت الكرة في ملعب ألمانيا. فهل تستجيب حكومة ألمانية في المستقبل، تتألف من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي /‏‏ حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (التيار المحافظ)، والتحالف السلمي 90 /‏‏ تجمع الـخُـضـر، للمناشدات من جانب حكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تطالب أوروبا باستخدام القوة لتفكيك معسكرات الاتجار بالبشر، التي أقيمت في مناطق يسيطر عليها مسلحون مولعون بالقتال هناك؟ من المؤكد أن فرنسا ستجيب النداء، لكنها تتوقع انضمام ألمانيا وآخرين إليها.

من خلال دفعه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية»، يناضل ماكرون لسد فجوة القيادة الجيوسياسية التي نشأت بفعل رحيل المملكة المتحدة، ورفض ألمانيا المستمر الانخراط في قضايا جيوسياسية. وبصفتها القوة النووية المتبقية في أوروبا، والعضو الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، يبدو من الواضح أن فرنسا هي المرشح الأنسب لهذه المهمة، لكنها لا تستطيع أن تتحمل هذه المسؤولية وحدها.

يثير الخروج البريطاني، تساؤلات استراتيجية، ظلت ساكنة في سُـبات لفترة طويلة حول وحدة أوروبا الداخلية، وموقفها الخارجي، ولن يُـبَـت إلا في قِـلة من هذه التساؤلات في الأرجح. وعلى هذا، يجب أن تسعى فرنسا وألمانيا إلى إيجاد مسارات مشتركة من أجل أوروبا، باغتنام الفرص التي تتيحها الاستقلالية، مع مراعاة القيود في ذات الوقت. لا يستطيع حتى أكثر المتفائلين بأوروبا، أن يزعموا صادقين أن أوروبا قادرة على تحقيق النجاح في القرن الحادي والعشرين، دون شراكة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة.

* وزير اتحادي سابق ونائب مستشار ألمانيا سابقاً، ويتولى حالياً منصب رئيس جمعية Atlantik-Brücke.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات