إعادة القرن الـ 21 إلى المسار الصحيح

لا شك أن أغلب القراء يتذكرون الحماس الواسع الانتشار الذي استقبلنا به القرن الحادي والعشرين. كان وقت الآمال الكبيرة، والافتتاحيات الطنانة، والجرأة الصادقة غير المتكلفة من جانب الغرب. ولكن في لمح البصر (من الناحية التاريخية)، تغير الـمِـزاج جذرياً ــ حتى قبل أن تندلع جائحة (كوفيد 19). في قسم كبير من العالم، كان هذا القرن فترة من الإحباط وخيبة الأمل. والآن يتطلع كثيرون إلى المستقبل، ليس بثقة بل بخوف.

قبل عقدين من الزمن، كانت الإجابة الجاهزة لكل سؤال سياسي أو استراتيجي هي المزيد من العولمة. ولكن في حين كان هذا هدفاً مشروعاً وجديراً بالثناء، فقد فشلنا في بناء الضمانات وسبل الوقاية اللازمة. أظهرت الكوارث مثل الركود العظيم بعد عام 2008 والجائحة الحالية أن المزيد من الاتكالية المتبادلة ينطوي على قدر أعظم من مخاطر انتقال العدوى، سواء كانت مالية أو فيروسية.

في مطلع القرن، لم تكن الولايات المتحدة تبدو كدولة تميل إلى الاستسلام للحسد والشعور بانعدام الأمان. في ذلك الحين، كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، التي سلطت الضوء على الإمكانات المدمرة التي تمتلكها القوى غير التابعة لدولة بعينها، والتي أنهت عصر الهيمنة الأمريكية الذهبي، لا تزال على بُـعد أكثر من عام. وفي غفلة عن الاضطرابات الجيوسياسية القادمة، كَـالَ الرئيس الأمريكي المنتخب جورج دبليو بوش المديح إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين. في ذلك الوقت، كانت روسيا عضواً ملتزماً في مجموعة الثماني، وكانت كوريا الشمالية لا تزال ملتزمة رسمياً بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.. أما الصين، التي كان اقتصادها متأخراً بسنوات ضوئية عن اقتصاد الولايات المتحدة، فلم تنضم إلى منظمة التجارة العالمية حتى أواخر عام 2001.

منذ ذلك الحين، خَـضَـعَ العالم لعمليات إعادة تشكيل عميقة خلفت بصمات مادية. وعلى مدار السنوات العشرين الأخيرة، شهدنا أيضاً ثورة غير مسبوقة في الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين. فقد أصبحت شبكة الإنترنت حاضرة في كل مكان، وتحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لعقد الاجتماعات السياسية في عصرنا. لكننا بتنا نعلم الآن أن الأدوات الرقمية لا تخلو من تأثيرات خبيثة. فقد ساعدت خوارزميات تعظيم الأرباح في خلق غرف صدى، مما أدى إلى إفقار الحوار العام بشدة. وأصبح المجال الرقمي أرضاً خصبة للاعبين مخربين هَـدَّامين متخصصين في «الحرب الهجين»، بما في ذلك الهجمات السيبرانية (الإلكترونية) وحملات التضليل الواسعة النطاق.

مع اقتراب عام 2020 من نهايته، ونحن نكاد نبدأ عقداً ثالثاً من القرن الحادي والعشرين، حان الوقت لتقييم نجاحاتنا وإخفاقاتنا الأخيرة باتزان ورصانة. وعندما نتطلع إلى المستقبل، ينبغي لنا أن نتجنب الشعور الساذج بالرضا عن الذات، كما كانت حالنا في عام 2000، وشعور الرهبة والهلع المسبب للشلل الذي اتسمت به سنوات ترامب، وخاصة في الغرب.

في السنوات المقبلة، يجب أن تكون التعددية القطبية الجيوسياسية متوافقة مع السلام والتعاون الدوليين ــ أفضل الضمانات للتقدم البشري. يتعين علينا أيضاً أن نعكف على إصلاح الشقوق التي انتشرت في مجتمعاتنا الرقمية وتحقيق التوازن المستدام مع الطبيعة. إنها تحديات شاقة لكن التصدي لها ممكن. ويرجع إلينا الأمر في تحديد ما إذا كان عام 2020 سَـيُـذكَر على أنه لحظة تعلم واكتشاف في قرن مضطرب، أو استهلال لقادم أسوأ.

* الممثل الأعلى الأسبق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وأمين عام منظمة حلف شمال الأطلسي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات