بوسعنا أن نجد قدراً كبيراً من الأعمال الأكاديمية حول استقلالية البنوك المركزية، كما يتناول محافظو البنوك المركزية هذا الموضوع في كل فرصة. تزعم أغلب الأبحاث الأكاديمية، وكل المحافظين، أن درجة عالية من الاستقلالية ترتبط بانخفاض التضخم والاستقرار النقدي.

تشكك بعض هذه الدراسات الأكاديمية في اتجاه العلاقة السببية، فتتساءل حول ما إذا كانت البلدان التي يكره مواطنوها التضخم بشدة ــ ألمانيا هي المثال الأكثر وضوحاً هنا ــ تميل إلى تفضيل الاستقلالية القوية. ولكن الأمر لا يخلو من دعم واسع النطاق لفرضية عامة مفادها أن إخراج السياسيين من عملية تحديد أسعار الفائدة يرتبط بتضخم أقل وأكثر استقراراً. هناك أيضاً الكثير من الأدلة التي تشير إلى أن الدورة الانتخابية كانت تؤثر، في السابق، في قرارات أسعار الفائدة، وكانت العواقب وخيمة.

كان قدر أقل كثيراً من الاهتمام موجهاً إلى استقلالية الهيئات التنظيمية المالية.

تشكل مسألة مدى استقلالية المشرفين على البنوك أكثر من مجرد أهمية نظرية. كان افتقار المشرفين على العمل المصرفي الملحوظ إلى الاستقلالية في بعض بلدان منطقة اليورو أحد الأسباب وراء إنشاء الاتحاد المصرفي للاتحاد الأوروبي.

يدرس القائمون على بحث موسع خاص ببنك إنجلترا قدرة المشرف على فرض الضوابط التنظيمية من دون الحصول على موافقة سياسية، كما يفحصون عملية الميزانية. من الممكن أن يمول بعض القائمين على الإشراف أنفسهم من خلال سلطة فرض الرسوم على الشركات الخاضعة للتنظيم؛ ويحتاج آخرون إلى الذهاب في خنوع إلى الحكومة أو الهيئة التشريعية للحصول على المال، ما يخلق إمكان ممارسة الضغوط السياسية من جانب البنوك لحرمان الهيئة التنظيمية من الأموال.

بعد إنشاء المؤشر، يفحص القائمون على البحث ما إذا كان الاستقلال الإشرافي يرتبط ارتباطاً إيجابياً بالاستقرار المالي. مقارنة بالاستقرار النقدي، يُـعَـد الاستقرار المالي مفهوماً مراوغاً. نحن نميل إلى اكتشاف غيابه بشكل مؤلم للغاية، ولكن محاولات تطوير مؤشرات تدلل على وجوده أثبتت كونها بالغة الصعوبة.

بوصفه معبراً عن مدى الاستقرار المالي، يختار القائمون على دراسة بنك إنجلترا مستوى القروض المتعثرة في النظام المصرفي. قد لا يكون مقياساً مثالياً، ولكنه يتميز بأنه متاح، على أساس قابل للمقارنة على نطاق واسع، عبر مجموعة من البلدان ولعدد كبير من السنوات. يُـفضي تخطيط المجموعتين من البيانات مقابل بعضهما بعضاً إلى التوصل لاستنتاجات قوية. على مدار السنوات ال20 الأخيرة، شهدنا زيادة مضطردة في الاستقلال الإشرافي. وعلى حد تعبير القائمين على البحث: ترتبط الإصلاحات التي تحقق قدراً أكبر من الاستقلال التنظيمي والإشرافي بانخفاض حجم القروض المتعثرة على ميزانيات البنوك العمومية. وفي مجمل الأمر، تُـظـهِـر النتائج التي توصلنا إليها أن زيادة استقلالية الهيئات التنظيمية والإشرافية مفيدة للاستقرار المالي.

من الواضح أن العلاقة بين الاستقلالية وكم الإقراض المصرفي سلبية. بعبارة أخرى، إذا كان المشرفون المستقلون أكثر صرامة، فإن البنوك تميل إلى الإقلال من الإقراض بعض الشيء. وقد لا يكون حجم التأثير درامياً، ولكنه سلبي وهذا مهم.

من المحتمل أن يكون هذا التأثير انتقالياً وقد يتلاشى مع الحفاظ على المزيد من الإشراف المنضبط. علاوة على ذلك، فإن الإقراض الذي لم يحدث ربما كان ليذهب إلى شركات غير قادرة على البقاء أو مستهلكين منهكين. وليس من الواضح أن مثل هذا الإقراض مفيد بشكل خاص للنمو والإنتاجية.

في المجال العام على الأقل، لم يكتسب الاستقلال التنظيمي والإشرافي السمعة التي اكتسبتها استقلالية البنوك المركزية. فلا يُـشار إليه بمختصر شائع الاستخدام على سبيل المثال. إذا استخدمنا المختصر RSI (Regulatory and Supervisory Independence) فسوف ينصرف ذهن المستمع إلى المصطلح (Repetitive Strain Injury) بمعنى (الإصابة الناتجة عن إجهاد متكرر). الحق أن البحث الذي أجراه بنك إنجلترا يشكل حجة قوية لمصلحة تغيير هذه الحال.

* رئيس مجموعة «نات ويست» NatWest.