كيف للأسر أن تسدد تكاليف الجائحة؟ يقترح وزير المالية في الحكومة المحافظة أن تساعد الدولة في ذلك. «شكراً، لكنه اقتراح مرفوض»، هكذا جاء سريعاً رد أعضاء الكونجرس في الدولة، قائلين إن بوسع الأسر اللجوء إلى مدخرات معاشاتها المجمعة، وإن الحكومة ستتيح لها إمكانية الوصول إلى تلك الأموال.
يوضح الخبراء على اختلاف مشاربهم السياسية أن الحكومة ليست مثقلة بالديون وقادرة على إنفاق المزيد، فيرد الأعضاء التقدميون في البرلمان بأن هذا البلد اكتفى من الخبراء، والشعب يريد أمواله ويريدها الآن!
عندما تُجبَر إمبراطورية الشر أخيراً على فتح صندوق المعاشات، تركض زعيمة فاعلي الخير عبر بهو الكونغرس وهي ترتدي عباءة البطل الخارق الأرجوانية، وسط هتافات أتباعها.
هل انقلب العالم رأساً على عقب؟ هل كان ذلك مشهداً من قصة خيال علمي تدور أحداثها في مجرة بعيدة للغاية؟ كلا، إنما كان ذلك مجرد يوم عمل عادي في برلمان تشيلي.
اعتادت تشيلي أن تكون الدولة الحكيمة الممولة في أمريكا اللاتينية. وقد صار ساسة تشيلي من اليمين واليسار ينافسون الفوضويين في أمريكا اللاتينية بسبب سلوكياتهم الغريبة في الآونة الأخيرة.
في تشيلي، لا تخضع مدخرات المعاش للضرائب، وبالتالي عندما تسحب الأسر المرتفعة الدخل أموالها قبل سن التقاعد، فمن المفترض حينها أن تسدد ضريبة، أليس كذلك؟ هنا نجد أعضاء البرلمان من مختلف الأطياف السياسية يجيبون بالنفي. وعندما أقدم عضو بمجلس الشيوخ من الحزب الاشتراكي الديمقراطي على تقديم الحجج لصالح وجوب مثل تلك الضريبة، نشر البلطجية عنوان منزله على وسائل التواصل الاجتماعي وحرضوا غيرهم من البلطجية على زيارته.
ما السبب الذي قد يدفع أي شخص لديه أي مشاعر إلى تحريض الأسر على السحب المتكرر من مدخرات معاشاتها التقاعدية لتكديس الطعام على الموائد في زمن الجائحة، بينما هناك بدائل أخرى متاحة أرحم وألطف؟ هنا تجد إجابة موحدة من المعارضة التشيلية وهي أن رد فعل الحكومة تجاه الأزمة كان محدوداً ومتأخراً للغاية. لا يخلو هذا الرد من شيء من الحقيقة: فقد كانت إدارة الرئيس سيباستيان بينييرا بطيئة في تفهم خطورة الجائحة، وكانت حزم المساعدة الأولية التي قدمتها هزيلة. لكن بحلول أكتوبر 2020، جاء تقرير لصندوق النقد الدولي ليؤكد أن تشيلي خصصت نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي لتدابير مالية تقديرية لمكافحة الفيروس ومواجهة تبعاته الاقتصادية – وهي نسبة أقل من تلك التي خصصتها الدول الغنية في أوروبا أو أمريكا الشمالية، لكنها أكبر كثيراً من النسب التي خصصتها نظيراتها في أمريكا اللاتينية. وكان باستطاعة الحكومة - بل كان ينبغي لها – أن تبذل المزيد من الجهد، لكن في ما يتصل بالدعم المباشر للأسر، كانت تشيلي بشهادة صندوق النقد الدولي ثاني أكثر الدول إنفاقاً في المنطقة بعد البرازيل.
فضلاً عن ذلك، فإن الزعم بعدم وجود خيار آخر غير صناديق المعاشات بسبب رفض الحكومة زيادة الإنفاق كان دوماً زعماً خادعاً. وقد تمكن الحشد المتنافر من اليمينيين واليساريين، الذين شكلوا أغلبية فائقة لتعديل دستور تشيلي وإجبار الحكومة على الإفراج عن مدخرات المعاشات، من استخدام الحيل والأساليب ذاتها للضغط على الحكومة لتحويل المزيد من النقود للأسر والشركات الصغيرة.
لكن اختيار عدم القيام بذلك يعكس مزيجاً من الإيمان واليأس، إذ يؤمن قطاع واسع من التشيليين بحتمية تغيير نظام المعاشات في الدولة.
ربما كان رد الفعل المنطقي يتمثل في إصلاح يعمل على زيادة المدخرات وتوفير تغطية تأمينية أكبر للأشخاص المتأثرين بانخفاض الأجور أو ضعف الصحة أو البطالة الممتدة. لكن لماذا التفاوض لشهور للتوصل إلى اتفاق سيكدر الجميع قليلاً (هذا هو التعريف الدقيق لأي عملية تفاوض) ما دام بوسعك الانقضاض على صناديق المعاشات الآن، وترك القلق بشأن العواقب لما بعد؟
لقد وافق الكونغرس التشيلي مؤخراً على عملية سحب ثانية من الصناديق، وهو أمر من شأنه أن يدع نصف أصحاب مدخرات المعاشات، بلا مدخرات في حساباتهم. فمن سيدفع معاشاتهم المستقبلية؟ لا أحد يعلم. يروق لمؤيدي الإغارة على صناديق المعاشات الاعتقاد بأنهم وجهوا ضربة قاضية لشركات إدارة صناديق المعاشات الخاصة، وهو ما لم يحدث في حقيقة الأمر. فالرسوم المتعلقة بالصناعة ليست موضوعة كنسبة من الأصول المدارة، بل كنسبة من أجور المدخرين الشهرية. وبالتالي، ستحتفظ شركات إدارة الصناديق الخاصة بذات إيراداتها، لكن ستقل التكاليف المطلوبة منها الآن، لأن الأصول المدارة ستكون انخفضت بمقدار 40 مليار دولار تقريباً.
يعود سبب الفتور الشديد الذي يعتري تحركات أعضاء الكونغرس إلى يأسهم. فلم يحدث من قبل في تاريخ تشيلي أن تدنت شعبية الساسة بين المواطنين إلى مثل هذه الدرجة. فبحسب استطلاع آخر، لم يتجاوز معدل التأييد العام للكونغرس نسبة 13%؛ كما كان الرقم المقابل بالنسبة للأحزاب السياسية الرئيسة منخفضاً بشكل مماثل أو أقل. ومع استعداد تشيلي لعقد سبعة استحقاقات انتخابية في 2021، سيفعل الساسة كل ما يلزم للتودد إلى الناخبين والفوز بتأييدهم.
لكن اتجاهاً كهذا لن يتمخض إلا عن سياسيات قصيرة النظر، والأسوأ من ذلك أن يكون للسياسات الخاطئة مرود سياسي إيجابي.
نظراً لسخافة وهزلية السياسات التي تفرزها الدوائر الشعبوية، تصطدم تلك الدوائر في النهاية بالواقع ويكون مصيرها إلى زوال. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حصل على 74 مليون صوت رغم سوء وبشاعة معالجته للجائحة (وغيرها من الكثير من القضايا). ومن ثم فإن هذا الزوال ليس قريباً بعد، بالنسبة لكثير من الناس ولغالبية شعب تشيلي بالأخص. وإلى أن يحين ذلك، «لتكن القوة معنا».
* عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومرشح رئاسي ووزير مالية سابق في تشيلي.

