لقد جعل الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن «العودة للحياة الطبيعية» من الأفكار التي هيمنت على حملته الانتخابية ..ولكن وكما اعترف بايدن نفسه فإن العالم اليوم لا يشبه الوضع الذي كان عليه العالم في يناير 2017 عندما خرجت إدارة باراك أوباما -التي عمل فيها بايدن كنائب للرئيس- من السلطة فإذن ما هو الوضع الذي يخطط بايدن للعودة إليه على وجه التحديد؟
إن من المؤكد أن بإمكان بايدن أن يعيد الكثير من الامور إلى نصابها، لكن فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية المرتبطة بالسياسات -خاصة قضايا السياسة الخارجية- سيكون من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل العودة للمرحلة التي سبقت الوضع الراهن.
لقد تعهد بايدن بإعادة الالتزام ببعض من الاتفاقيات الدولية من حقبة أوباما والتي تنصل منها ترامب.
إن إعادة الالتزام باتفاقية باريس قد يكون التعهد الأسهل من بين تلك التعهدات، فالاتفاقية لم تكتسب قط وضعية المعاهدة وهذا يعود إلى حد كبير إلى أن أوباما كان يدرك أن مجلس الشيوخ الذي يتحكم به الجمهوريون لن يوافق على الإطلاق على تلك الاتفاقية، ولهذا السبب تمكّن ترامب من الانسحاب منها دون تصويت الكونغرس، حيث توجب عليه وبكل بساطة التقيد بفترة الانتظار ومدتها عام واحد والمذكورة في النص، وبالمثل فإن بإمكان بايدن إعادة الانضمام إليها دون موافقة الكونغرس بعد انتهاء فترة الانتظار ومدتها 30 يوماً.
أما باقي تلك الجهود فسوف تكون محفوفة بالصعوبات، ومن الأمثلة على ذلك خطة العمل الشاملة المشتركة وعلى الرغم من أن تلك الاتفاقية لم يصادق عليها مجلس الشيوخ كذلك، فإن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من جانب واحد (وخاصة على مبيعات النفط) سوف يؤدي إلى احتجاجات غاضبة من قبل الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس الذين يحتاجهم بايدن للوفاء بوعود أخرى، كما أن إسرائيل كذلك سوف تشعر بالغضب الشديد علماً بأن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى انزعاج البعض كذلك في أوروبا.
إن أي جهود لاستئناف سياسة أوباما للتطبيع مع كوبا سوف تواجه تحديات مماثلة. إن محاولة تطبيع العلاقات مع كوبا ستنطوي على مخاطر سياسية وفي الانتخابات كان أداء بايدن أسوأ بكثير بين الأمريكيين من أصل كوبي في ميامي التي تشكل أكثر من %10 من القوة التصويتية لفلوريدا مقارنة بأداء هيلاري كلينتون سنة 2016، وبالإضافة إلى ذلك فإن بايدن قد يحتاج لدعم الجمهوريين في فلوريدا مثل عضو مجلس الشيوخ ماركو روبيو من أجل الوفاء بوعده في إنشاء مسار للحصول على الجنسية لـ11 ـــــــــــ 12 مليون مهاجر غير شرعي.
بالإضافة إلى ذلك وعلى الرغم من أن بايدن لم يقدم أي وعود فيما يتعلق بفنزويلا فإنه سيتوجب عليه اتخاذ عدة قرارات حاسمة بالنسبة لهذا الموضوع مباشرة بعد تنصيبه فهل سيبقي على العقوبات الاقتصادية ضد فنزويلا وشركة النفط التابعة لها بيتروليوس دي فنزويلا س أ؟ هل سيعترف بخوان غوايدو، زعيم المعارضة الذي أعلن نفسه كرئيس مؤقت في 2019 رئيساً شرعياً للدولة؟ هل سيتجاهل نتائج انتخابات مجلس الأمة التي جرت في 6 ديسمبر؟
أخيراً، هناك مسألة تجارة آسيا والمحيط الهادئ علماً بأن بايدن لم يتعهد بالانضمام للاتفاقية التي حلت مكان اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ وهي الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ والتي تم إنشاؤها بعد انسحاب ترامب من قبل 11 دولة تفاوضت على الاتفاقية الأصلية مع أوباما، كما لم يعلن بايدن عن أي خطط لإعادة التفاوض بشأنها.
لكن بايدن ذكر بالفعل أنه اعتقد أن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ لم تكن صفقة سيئة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإن كان قد يطلب المزيد من الأحكام المتعلقة بالعمالة والبيئة. لو أراد بايدن إحياء سياسة أوباما المتعلقة بمحور آسيا؟ والعمل مع الحلفاء لاحتواء الصين في المنطقة فإن الانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ سيكون بداية طيبة ولكن يجب التعامل مع هذا ليس على أساس العودة للماضي بل كخطوة إلى المستقبل.
وهنا يكمن التحدي الأساسي لبايدن وهو كيفية إعادة إحياء الاتفاقيات المفيدة متعددة الأطراف أو السياسات الخارجية مع الإقرار بالتغيير الكبير الذي حصل للعالم -وسمعة أمريكا- في السنوات الأربع الماضية. لا يمكن العودة للماضي ولكن فقط يمكن تطويع أهداف الولايات المتحدة الأمريكية واستراتيجيتها لجعلها تتأقلم مع الظروف الحالية وكلما أسرع فريق بايدن للسياسة الخارجية بالإقرار بذلك، كلما كان ذلك أفضل. ومما لا شك فيه، أن هذا الأمر هو في صالح ترسيخ وتعزيز الدور القيادي الأساسي عالمياً للولايات المتحدة الأمريكية، والذي رسمته وعززته طوال عقود مضت.
* وزير خارجية سابق في المكسيك، وأستاذ بجامعة نيويورك حالياً.

