في غضون هذا الأسبوع، سوف نعرف أخيراً ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بشأن صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أياً كان القرار المتخذ فإنه سيخلف تداعيات كبيرة بعيدة الأمد على أوروبا، والتي لن تؤثر على التبادل التجاري والقواعد المشتركة وحسب، بل وأيضاً على مكانة الاتحاد الأوروبي في العالم. لكي يتمكن الاتحاد الأوروبي من الثبات على موقفه والدفاع عن مصالحه في مواجهة الصين والولايات المتحدة، يتعين عليه أن يحافظ على علاقة قوية مع المملكة المتحدة وأن يثبت قدرته على التكيف مع الديناميكيات العالمية المتغيرة.

لا ترتبط أهمية مفاوضات الخروج البريطاني الحالية بشكل سطحي بالتكاليف التجارية المترتبة على خروج المملكة المتحدة السريع الصاخب من الاتحاد الأوروبي وضرورة التزامها بقواعد منظمة التجارة العالمية وحسب (وإن كان هذا من شأنه أن يُـفضي على نحو شبه مؤكد إلى إرباك سلاسل التوريد في الأشهر المقبلة)، بل ترجع أهميتها الشديدة أيضاً إلى التكاليف السياسية والاجتماعية والاستراتيجية الوشيكة والتي ستكون أشد عاقبة.

مع ذلك، يجب أن ندرك أن سيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يحرم أوروبا من الأساس الذي يمكنها أن تبني عليه علاقة مع المملكة المتحدة في المستقبل. يتفق الجميع تقريباً على أن الهدف يجب أن يكون بناء شراكة قوية طويلة الأمد تحترم سيادة المملكة المتحدة وتعطي كل جانب الحيز الكافي لملاحقة مصالحه. وهذا أمر ضروري حتى وإن كانت سيادة الدول القومية محدودة بطبيعتها بعالَم تحكمه العولمة، كما اعتاد كثيرون في الاتحاد الأوروبي على التنبيه والإشارة.

الواقع أن الرسالة التي يبثها الخروج البريطاني دون التوصل إلى اتفاق إلى بقية العالم ستكون مدمرة لأوروبا. فقد تشير إلى أن القوى الرئيسية الأخرى لا حاجة بها إلى أن تشغل بالها باحترام رغبات أوروبا في مجالات السياسة الرئيسية. في عالم اليوم المستقطب، أصبحت الصين على نحو متزايد واثقة في الذات وحازمة، في حين تنشغل الولايات المتحدة بمشاكلها الداخلية (من المرجح أن تظل هذه هي الحال في ظل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن). اليوم أصبحت ضرورة تجميع موارد أوروبا وحشد نفوذها حتى يتسنى لها أن تتحدث بصوت واحد أكثر أهمية من أي وقت مضى.

علاوة على ذلك، لا تقل العلاقة القوية التي يمكن على أساسها تحقيق الرخاء المتبادل أهمية للاتحاد الأوروبي عن أهميتها بالنسبة للمملكة المتحدة. وبريطانيا قادرة على تقديم الكثير في مجالات حيث تقصر أوروبا.

بطبيعة الحال، قد يشكل الفشل في التوصل إلى اتفاق أيضاً تهديداً خطيراً للمملكة المتحدة، التي تعتمد سلامتها الوطنية إلى حد كبير على اتفاقية الجمعة العظيمة التي أبرمت في عام 1998 وغياب الحدود المادية بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا. ولكن كما تُـظهِـر أحدث التحديات الداخلية من بولندا والمجر، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يتعامل مع سلامته كأمر مُـسَـلَّم به.

يتمثل القرار المتعقل إذن في أن يتفق الجميع على صفقة هذا الأسبوع ثم يمضون قدماً. يحتل الاتحاد الأوروبي موقع قوة نسبية في هذه المفاوضات. فهو يعلم أن الخروج البريطاني لن يغير الكثير في ما يتصل بوظائفه الداخلية، وأن المملكة المتحدة تواجه مهمة هائلة الضخامة تتمثل في إعادة بناء مؤسساتها ورسم مسار سياسي جديد خارج الاتحاد الأوروبي.

ينبغي للاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته، نظراً لمصلحته القوية في ازدهار المملكة المتحدة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، أن يتخذ الخطوة الأولى لكسر الجمود الحالي، من خلال تخفيف حدة موقفه في ما يتصل بالحفاظ على ما يعادل أنظمة المساعدة وتسوية المنازعات القائمة. من المستبعد إلى حد كبير أن لا تجد دولة كبيرة نسبياً مثل المملكة المتحدة غضاضة في ركوب قطار الاتحاد الأوروبي بالمجان كما تفعل بعض الدول الصغيرة. كما ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يتخلى عن إصراره على حقوق الصيد، والتي لا تشكل أهمية اقتصادية لكنها تنطوي على قدر كبير من القوة والأهمية داخل المملكة المتحدة في سعيها إلى اكتساب درجة معينة من السيادة الواضحة بالدليل.

تتمثل المهمة الأكثر أهمية في الفترة المتبقية من المفاوضات في رسم مخطط لإعادة بناء العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في الأشهر والسنوات المقبلة. في عالَم متزايد الاستقطاب، يحتاج كلا الجانبين إلى الاتفاق من حيث المبدأ على أهداف وغايات مشتركة، حتى يتسنى لهما أن يتعاونا في ما يتصل بتغير المناخ، والتحول الرقمي، وغير ذلك من التحديات المشتركة.

لن تتحدد تفاصيل العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في المستقبل بموجب اتفاق الخروج من الاتحاد. بل ستتكشف فصول هذه العملية وتتطور لسنوات قادمة. مع ذلك، سوف يترتب على شروط الانفصال التي يجري البت فيها حالياً تداعيات عميقة على التطوير المستمر للعلاقات الثنائية والدور الذي تضطلع به أوروبا في العالم.

وعلى هذا فإن التوصل إلى اتفاق ودي يعمل كأساس متين للمرحلة التالية من المشاركة يشكل ضرورة أساسية. وتُـحـسِـن المفوضية الأوروبية والحكومتان الألمانية والفرنسية صنعاً بتبني منظور أبعد أمداً، لأن هذا من شأنه أن يثبت لها أن الخطوة المعقولة الوحيدة الآن هي كسر الجمود.

* كبير مدراء سابق في البنك المركزي الأوروبي، وهو رئيس المركز البحثي الفكري «المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية» في برلين (DIW Berlin) وأستاذ الاقتصاد الكلي والتمويل في جامعة هومبولت في برلين