كما لو أن الهند لم تنل كفايتها، من جائحة كوفيد 19 المستعرة، واقتصاد متعثر، ومعدلات بطالة غير مسبوقة، إلى احتجاجات المزارعين الضخمة التي تحاصر عاصمة البلاد. الآن، ها هي الآن بوادر حرب سياسية ثقافية تشتعل وتستعر، بفعل الكثير من النزاعات العقائدية، والتي يجب أن يجري التصدي لها بقوة وبحزم.
لطالما احتفى قسم كبير من الهند بامتزاج الممارسات الثقافية الهندوسية والإسلامية. لكن هذه «الثقافة المركبة»، الناشئة عن تفاعل ممارسي الديانتين، تتعرض الآن للهجوم من تعصب أعمى ذي صبغة رسمية، حيث يستمد من ينفخون النار بهذا المجال قوتهم السياسية من حملاتهم الدعائية الشرسة التي تُقدمهم باعتبارهم وسيلة لبناء مجتمع حازم، وعندما يتعلق الأمر بالأصوات، فإن تأجيج المشاعر المعادية لبعض الفئات يصبح الورقة الرابحة.
في السابق، شن حزب حملة ناجحة قائمة على المس بعقائد بعض الجهات، ونجح في استثارة وكسب بعض الجهات وشرائح كبيرة من المجتمع.
إن وحدة المجتمع ولحمة أبنائه، تتعرض للقلق والخطر، فقبل بضعة أشهر، تعرضت شركة «تانيشق» للمجوهرات، التي تسوق نفسها على أنها اختيار المستهلكين من الشباب «العصريين»، لضغوط تتضمن التهديد بالعنف، من أجل التراجع عن بث إعلان تلفزيوني يصور زواجاً سعيداً بين امرأة هندوسية ورجل مسلم.
إن الشوفينيين في البلاد بدأوا يعربون عن استيائهم إزاء الممارسات الثقافية للأقليات في الهند أيضاً، حيث هددت مجموعة من المتعصبين تسمى باجرانج دال، مؤخراً، باستخدام العنف.
ثمة قضية أخرى تُثير غضب محاربي الـ«هندوتفا»، وهي عيد الحب. حيث هاجموا الأزواج الذين ساروا متشابكي الأيدي في يوم 14 فبراير، بحجة أن المناسبة «غير هندية» كونها تحتفي بالحب الرومانسي، ودمروا المتاجر التي تبيع بطاقات التهنئة بعيد الحب، ورددوا هتافات خارج المقاهي بينما كان الأزواج يتغازلون في الداخل.
من المفارقات أن جماعة «هندوتفا» ليس لديها فكرة حقيقية عن التقاليد الهندوسية - ففكرتهم عن القيم الهندية ليست بدائية وضيقة الأفق فحسب، ولكنها أيضاً تتبع نهجاً ليس له أصل تاريخي. فلطالما كانت ثقافة الهند رحبة، واتسعت لتشمل تأثيرات جديدة ومتنوعة، من الغزوات اليونانية والإسلامية وحتى البريطانية.
تقوم المعركة المركزية في الحضارة الهندية اليوم بين أولئك الذين يقرون بأن ثقافتنا متنوعة بقدر ما هي واسعة، نتيجة للتجربة التاريخية للهند، وأولئك الذين ظنوا بوقاحة أنهم أخذوا على عاتقهم تحديد ما -ومن- هو هندي «حقاً» من منظورهم الضيق.
لطالما وجدت الهندوسية الحديثة ما يدعو للفخر في تسامحها مع الاختلافات. في الواقع، قدم لنا الحكيم الهندوسي الأكثر شهرة في العصر الحديث، سوامي فيفيكاناندا، درساً مقنعاً مفاده أن السمة المميزة للحضارة الهندوسية لم تكن التسامح فحسب، بل والقبول. لذلك فإن الشوفينيين الهندوس اليوم يخونون جوهر عقيدتهم بتعصبهم الضيق الأفق، فضلاً عن الاعتداء على الدستور.
الهند، بحكم تعريفها كدولة تعددية وديمقراطية، لا بد أن تتسع لتعددية التعبيرات عن هوياتها المتنوعة.
* وكيل الأمين العام للأمم المتحدة سابقاً، وزير الدولة الهندي الأسبق للشؤون الخارجية، وزير الدولة الأسبق لتنمية الموارد البشرية، وهو عضو البرلمان عن حزب المؤتمر الوطني الهندي
