تكاليف استسلام ميركل لإرادات بعض الدول

يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم خطراً يهدد وجوده، ومع ذلك تستجيب قيادات الاتحاد الأوروبي بتسوية يبدو أنها تعكس اعتقاداً بأن هذا التهديد يمكن التخلص منه ببساطة عن طريق التمني. يخالف نظام رئيس الوزراء فيكتور أوربان في المجر، وبدرجة أقل حكومة حزب القانون والعدالة في بولندا ركائز نهج الاتحاد الأوروبي. والتعامل مع هذا التحدي باعتباره موقفاً سياسياً مشروعاً يستحق الاعتراف والتسوية لن يؤدي إلا إلى الإضافة إلى المخاطر التي يواجهها الاتحاد الأوروبي الآن ــ وبشكل بالغ الخطورة.

الحق أنني أدرك وأفهم الضغوط الهائلة التي تتحملها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فهي تشغل منصب مستشارة ألمانيا منذ 15 عاماً وتقترب الآن من التقاعد، في سبتمبر2021. ومع تشتت انتباه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤقتاً بسبب قضية العلمانية وغيرها من المخاوف الأمنية الخطيرة داخل فرنسا، أصبحت ميركل صانعة القرار الرئيسية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي.

أفهم أيضاً لماذا لا تريد المستشارة الألمانية أن تعلن دولة أخرى، مثل المجر، اعتزامها ترك الاتحاد الأوروبي تحت إشرافها. هذا، بحسب ما ورد، ما كان أوربان يستعد للقيام به في الأيام الأخيرة، لأنه لا يستطيع أن يتحمل العواقب المترتبة على فضح حجم الفساد الهائل الذي استشرى في نظامه، وهو ما كان ليحدث حتماً في حال تطبيق شرط «سيادة القانون» لصرف أموال الاتحاد.

وأنا أكتب هذه السطور، يبدو من الواضح أن ميركل توسطت في تسوية مع أوربان وزعيم بولندا بحكم الأمر الواقع ياروسواف كاتشينسكي. لكن الصفقة التي أبرمتها ألمانيا مع هذين العضوين العنيدين في الاتحاد الأوروبي تشكل أسوأ الاحتمالات المتاحة. إذ يشوب النص ثلاثة عيوب جوهرية.

أولاً، يغير الإعلان من حيث الجوهر والقصد نص اللائحة التنظيمية التي وافقت عليها مؤسسات الاتحاد الأوروبي في الخامس من نوفمبر، على النحو الذي يُـضـعِـف شرطية سيادة القانون إلى حد كبير.

ثانياً، تعمل بعض أحكام الاتفاق على تأخير تطبيق شرط سيادة القانون لمدة تصل إلى عامين. وهذا يشكل انقلاباً حقيقياً لصالح أوربان، لأنه سيؤخر أي إجراء محتمل إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المجرية التالية المقررة في عام 2022.

أخيراً، يشكل إعلان القمة المقترح حالة مؤكدة حيث يتصرف المجلس الأوروبي خارج نطاق سلطته في تقييد قدرة المفوضية الأوروبية على تفسير تشريعات الاتحاد الأوروبي والعمل بموجبها. وهي سابقة خطيرة، لأنها تقلص الاستقلال القانوني الذي تتمتع به المفوضية وقد تتعارض مع معاهدة الاتحاد الأوروبي، على الأقل في روحها.

لا يسعني الآن سوى التاكيد على أهمية ان يبادر جميع المعنيين لتصويب المسار بهذا الخصوص، وذلك غاية البناء على سلامة قواعد ومبادئ عمل الاتحاد الأوروبي، وهذا ما يجب أن يشعر به كل من يؤمن بالاتحاد الأوروبي بوصفه حامياً للأسس الأوروبية والعالمية. أريد أيضاً أن أحذر من أي تسوية ربما تلحق أشد الضرر بالثقة التي اكتسبتها مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشق الأنفس من خلال إنشاء صندوق التعافي.

* رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس ومؤسسات المجتمع المفتوح. وهو أحد رواد صناعة صناديق التحوط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات