الديمقراطية الأمريكية تجتاز الاختبار

أحدثت الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي اكتملت للتو انقلاباً في مجموعة من التنبؤات الكئيبة. فقد قيل لنا إن الأصوات لن تُـفرَز، وإن آلات التصويت ستُـخـتَـرَق، وإن الهيئات التشريعية في الولايات ستأمر الناخبين بتحدي إرادة الشعب، وإن بلطجية مسلحين سيروعون الناخبين، وإن أعمال الشغب ستندلع ــ مع انحياز الشرطة إلى جانب رئيس «القانون والنظام». صحيح أن الرئيس دونالد ترمب، كما كان متوقعاً منه، رفض التنازل حقاً، واتهم الديمقراطيين بالتزوير، وطعن في الانتخابات والمحاكم. لكنه ليس لديه أي احتمال واقعي للبقاء في منصبه بعد يوم التنصيب.

الواقع أن أولئك الذين يزعمون أن سلوك ترامب بعد الانتخابات يرقى إلى مستوى محاولة الانقلاب يخطئون قراءة الموقف. إن رفض ترامب التنازل لا يعني أي شيء. كانت طعونه القانونية عبثية وقد سحقتها المحاكم. لقد خسر وقضي الأمر.

رغم أن العديد من الناخبين الجمهوريين يخبرون القائمين على استطلاع الآراء أن الانتخابات سُـرِقَـت، لم نر انتفاضة على غرار ما حدث في هونج كونج. أما هجمات ترامب على المؤسسات الأمريكية فهي إلى حد كبير شكل من أشكال فن الأداء السياسي.

ومن عجيب المفارقات يبدو أن هجمات ترامب على الديمقراطية الأمريكية عززتها. وقد حافظ القضاء، وهو هدف آخر متكرر لانتقادات ترامب، على استقلاله. لقد عملت هجمات ترامب على مراكز القوى المتنافسة في النظام السياسي الأمريكي في الغالب على تذكير الناس بالسبب وراء أهمية مراكز القوى في المقام الأول. ويبدو أن ترامب ذاته فهم ذلك، معتبراً أن هجماته كانت مجرد خطابة بلاغية. على حد علمنا، لم يتخذ ترامب إجراءات ملموسة لتقويض الصحافة أو إضعاف المحاكم ــ على سبيل المثال، من خلال إصدار الأمر بإجراء تحقيقات أو ملاحقات قضائية، أو الدفع بتشريعات يمكن أن تعرقل أنشطتها. سوف يمر وقت طويل قبل أن ينتهي المؤرخون بشكل كامل من تقييم تأثير ترامب على الديمقراطية الدستورية في أمريكا. ومن الواضح أن فترة ولايته في المنصب كشفت عن بعض أوجه القصور . لكن الديمقراطية الأمريكية تظل قوية ــ على الأقل في الوقت الحالي. ونذكر هنا أنه في حين هاجم ترامب الصحافة باعتبارها «عدو الشعب»، وانتقد غالباً العديد من الصحافيين بالاسم، فقد ازدهرت وسائل الإعلام الرئيسية. وارتفعت الاشتراكات في النسختين المطبوعة والرقمية من صحيفة نيويورك تايمز، وهي واحدة من «أعداء» ترامب الرئيسيين، من ثلاثة ملايين في عام 2017 إلى سبعة ملايين في عام 2020.

ربما كان ترامب يأمل (ولا يزال) أنه يستطيع من خلال مهاجمة الانتخابات التأثير على الساسة والقضاة الجمهوريين وغيرهم لحملهم على قلب النتيجة لصالحه. وربما لو نزل عدد كاف من الناخبين إلى الشوارع، وحَسِـب عدد كاف من المسؤولين أن ترامب الشاكر لجميلهم سيكافئهم بوظائف مجزية في المستقبل، فربما كان هؤلاء المسؤولون ليحققوا له مراده. لكن هذا لم يحدث.

السبب الرئيسي وراء عدم حدوث ذلك ــ بصرف النظر عن حقيقة مفادها أن جميع المسؤولين الانتخابيين تقريباً أدوا أدوارهم بنزاهة واستقامة ــ هو أن ترامب ليس رئيساً محبوباً. ونظراً لافتقاره إلى الدعم السياسي للفوز في الانتخابات، فليس من المستغرب أنه كان يفتقر أيضاً إلى الدعم السياسي اللازم لقلب النتيجة لصالحه.

سوف يمر وقت طويل قبل أن ينتهي المؤرخون بشكل كامل من تقييم تأثير ترامب على الديمقراطية الدستورية في أمريكا. ومن الواضح أن فترة ولايته في المنصب كشفت عن بعض أوجه القصور الخطيرة، ولعل أكثرها أهمية التأثير الضخم بين الناخبين المتطرفين إيديولوجياً في العملية التمهيدية الرئاسية، والدور المفرط الذي يلعبه المال في السياسة. لكن الديمقراطية الأمريكية تظل قوية ــ على الأقل في الوقت الحالي.

* أستاذ في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات